الرشاد البرنوصي بعد موسم الهبوط.. الاستقالات وتدوينات فيسبوك تفتحان باب الأسئلة

وجد نادي الرشاد البرنوصي نفسه، خلال الفترة الأخيرة، في قلب نقاش متزايد على مواقع التواصل الاجتماعي، في أعقاب موسم رياضي صعب انتهى بنزول الفريق إلى القسم الأول هواة، وما رافق ذلك من استقالات داخل المكتب المسير وتصاعد وتيرة التدوينات والانتقادات على موقع فيسبوك.
ولم يعد النقاش مقتصرا على النتائج الرياضية، بل اتسع ليشمل طريقة تدبير النادي، والاختيارات التي رافقت المرحلة الماضية، ومسؤولية المكتب المسير عن الحصيلة، فضلا عن أسباب الاستقالات وخلفيات بعض المواقف التي عبر عنها عدد من المتابعين والفاعلين في محيط الفريق.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز سؤال يفرض نفسه: هل ما يحدث مجرد انعكاس طبيعي لموسم رياضي انتهى بالنزول وما صاحبه من حالة استياء، أم أن هناك حسابات أخرى تقف خلف جزء من هذا التصعيد؟
طرح هذا السؤال لا يعني الجزم بوجود جهة تحرك التدوينات أو تقف وراءها، لأن مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة ومعطيات واضحة. كما أن كثرة التدوينات أو تقارب مضامينها لا يكفي وحده لإثبات وجود تنسيق أو توجيه. ولذلك، فإن المقاربة المهنية تقتضي التمييز بين ما هو نقد مشروع، وما هو موقف شخصي، وما هي معلومة قابلة للتحقق، وما هو مجرد استنتاج أو اتهام يحتاج إلى إثبات.
والأكيد أن انتقاد رئيس النادي هشام شبورة أو المكتب المسير ليس أمرا جديدا، كما أن النقاش حول طريقة تدبير الرشاد البرنوصي سبق أن طرح في مناسبات مختلفة. ومنبر الحي نفسه لم يكن بعيدا عن هذا النقاش، وسبق له أن تناول عددا من الملفات المرتبطة بالنادي ووجه انتقادات إلى بعض الاختيارات والتدبيرات، وبالتالي فإن العودة إلى الموضوع اليوم لا ينبغي أن تفهم باعتبارها دفاعا عن الرئيس أو اصطفافا إلى جانب معارضيه.
إنما المسألة تتعلق بطرح الأسئلة التي فرضتها المرحلة الجديدة، خصوصا بعد الحصيلة الرياضية الصعبة، وما رافقها من استقالات وتدوينات وانتقادات متزايدة.
وهذه النتيجة تفرض بطبيعتها فتح نقاش مسؤول حول أسبابها. هل كانت الاختيارات التقنية في مستوى انتظارات الفريق؟ هل تم تدعيم التركيبة البشرية بالشكل المطلوب؟ هل اتخذت القرارات المناسبة في الوقت المناسب؟ وهل كانت هناك مؤشرات مبكرة على صعوبة الوضع لم يتم التعامل معها بالسرعة الكافية؟
أسئلة كثيرة، لكن طرحها لا يعني بالضرورة تحميل شخص واحد مسؤولية كل ما حدث. فالنتائج الرياضية تكون عادة حصيلة مجموعة من القرارات والعوامل، ويظل المطلوب هو تحديد مكامن الخلل والمسؤوليات بناء على الوقائع والمعطيات، بعيدا عن الشخصنة.
رياضيا، لا يمكن تجاهل أن الرشاد البرنوصي عاش موسما صعبا خلال 2025-2026، انتهى بنزوله إلى القسم الأول هواة، وهو ما يمثل تراجعا كبيرا لناد يملك تاريخا وحضورا داخل كرة القدم الوطنية.

ولتقييم أي تجربة يقتضي النظر إلى مختلف مراحلها. فلا النجاحات السابقة تلغي الإخفاق الحالي، ولا موسم صعب يكفي وحده لمحو كل ما تحقق في سنوات سابقة. وبين الأمرين، تبقى الحاجة قائمة إلى حصيلة دقيقة تضع الإيجابيات والسلبيات أمام المنخرطين والجمهور.
وإذا كانت النتائج الرياضية تفتح باب المساءلة، فإن الاستقالات داخل المكتب المسير تضيف سؤالا آخر لا يقل أهمية.
فالاستقالة في حد ذاتها لا تعني وجود سوء تدبير، كما أن المستقيل لا يصبح بالضرورة صاحب الحقيقة المطلقة بمجرد مغادرته المكتب. غير أن الاستقالات، عندما تقع داخل مؤسسة رياضية، تظل حدثا يستحق التوضيح، خصوصا إذا ارتبطت باختلافات في وجهات النظر أو بطريقة التسيير أو بالقرارات المتخذة خلال الموسم.
وهنا تبرز أهمية الاستماع إلى الأشخاص الذين عاشوا التجربة من الداخل.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشادة بالجرأة التي تحلى بها أحمد بحير عندما اختار اللجوء إلى منبر الحي للتعبير بشكل مباشر عن موقفه من استقالته وتقديم وجهة نظره بشأن المرحلة التي عاشها داخل النادي.
فالحديث بشكل علني وتحمل مسؤولية الموقف أمام الرأي العام يظل أكثر وضوحا من الاكتفاء بتدوينات مجهولة المصدر أو رسائل غير موقعة. وقد أتاح موقف بحير للمتابعين فرصة الاستماع إلى رواية أحد الأشخاص الذين كانوا جزءا من المكتب، وبالتالي مناقشة ما طرحه ومقارنته بروايات باقي الأطراف.
وهذه الجرأة تستحق التنويه، ليس لأن ما يقوله المستقيل يجب أن يعتبر حقيقة نهائية، وإنما لأن الشفافية تقتضي أن يقدم كل طرف روايته بشكل واضح، وأن يتحمل مسؤولية ما يقوله، حتى يكون النقاش قائما على مواقف معلنة يمكن مناقشتها والرد عليها.
وفي المقابل، فإن بعض الآراء والمواقف يتم التعبير عنها عبر تدوينات فيسبوكية، وهو أمر مشروع في حد ذاته، لأن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت فضاء طبيعيا للتعبير والنقاش. غير أن الأمر يصبح مختلفا عندما تتحول التدوينات إلى اتهامات محددة أو معلومات حساسة دون تقديم ما يثبتها.
وهنا يجب أن يكون المعيار واحدا للجميع: لا أهمية كبيرة لهوية من يكتب بقدر أهمية الأدلة التي يقدمها.
فالمعلومة الصحيحة تظل صحيحة حتى لو جاءت من صفحة غير معروفة، والمعلومة غير الدقيقة لا تصبح صحيحة لمجرد أن صاحبها معروف. ولذلك، فإن التعامل مع ما ينشر على فيسبوك يجب أن يقوم على التحقق والتثبت، لا على عدد التدوينات ولا على حجم التفاعل معها.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه ليس فقط: من يقف وراء هذه التدوينات؟ وإنما أيضا: ماذا تقول؟ وهل تستند إلى وقائع؟ وهل تقدم وثائق؟ وهل يتعلق الأمر بنقد رياضي وإداري مشروع، أم بخلافات شخصية؟ وهل تتحدث عن أخطاء محددة يمكن مناقشتها، أم تكتفي بإطلاق اتهامات عامة؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من البحث عن جهة مفترضة تقف خلف هذا الطرف أو ذاك.
كما أن توقيت تصاعد النقاش يستحق التوقف عنده، خصوصا أن المرحلة الحالية جاءت بعد موسم انتهى بالنزول، وتزامنت مع استقالات وتباين في المواقف داخل محيط النادي، فضلا عن سياقات أخرى خارج المجال الرياضي.
لكن التزامن لا يعني بالضرورة وجود علاقة مباشرة بين الأحداث. لذلك، فإن ربط الانتقادات بعوامل سياسية أو غير رياضية يحتاج إلى أدلة واضحة، وإلا تحول الأمر من تحليل إلى مجرد تخمين.
وفي الاتجاه المقابل، لا ينبغي استخدام الحديث عن احتمال وجود حسابات أخرى لتجاوز الأسئلة المرتبطة بالحصيلة الرياضية.
فالرشاد البرنوصي نزل إلى القسم الأول هواة، وهذه حقيقة رياضية تستوجب تفسيرا. والجمهور من حقه أن يعرف أين حدث الخلل، والمنخرطون من حقهم الاطلاع على الحصيلة، والمكتب المسير مطالب بتقديم توضيحات حول المرحلة، كما أن رئيس النادي من حقه أن يقدم روايته ويدافع عن اختياراته.
وبالمثل، فإن المستقيلين من حقهم التعبير عن أسباب استقالاتهم، لكن من واجبهم أيضا، عندما يوجهون انتقادات أو يقدمون معطيات محددة، أن يتحملوا مسؤولية ما يقولونه وأن يكونوا مستعدين لمناقشته.
وهنا بالضبط تكمن قيمة ما قام به أحمد بحير: فقد اختار الحديث بشكل مباشر، ووضح موقفه أمام الرأي العام، وفتح المجال أمام النقاش بدلا من الاكتفاء برسائل غامضة أو مواقف غير معلنة.
إن النادي اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج بقدر ما يحتاج إلى وضوح.
فالمرحلة المقبلة يجب أن تكون مناسبة لمراجعة شاملة، ليس فقط للنتائج الرياضية، وإنما أيضا لطريقة العمل داخل المكتب، وللعلاقة بين مختلف مكونات النادي، ولطريقة التواصل مع الجمهور والمنخرطين.
والسؤال الأهم بعد النزول ليس فقط: من يتحمل مسؤولية ما حدث؟ بل أيضا: ماذا سيفعل الرشاد البرنوصي لتجاوز الوضع؟
هل ستكون هناك مراجعة تقنية؟ هل سيتم تقييم الاختيارات التي تمت خلال الموسم؟ هل ستتم معالجة أسباب الخلافات داخل المكتب؟ وهل سيجري وضع مشروع واضح لإعادة الفريق إلى مكانته المعتادة؟
هذه الأسئلة ينبغي أن تتقدم على أي سجال آخر، لأن النادي مقبل على مرحلة تتطلب تضافر الجهود أكثر من تبادل الاتهامات.
أما بالنسبة إلى النقاش الدائر على فيسبوك، فمن الطبيعي أن يستمر ما دام النادي يهم شريحة واسعة من أبناء المنطقة ومتتبعيه. لكن من المهم أن يبقى هذا النقاش داخل حدود المسؤولية، وألا تتحول التدوينات إلى محاكمات مسبقة أو أن تعامل الاتهامات على أنها حقائق قبل التحقق منها.
ومن حق أي متابع أن ينتقد، ومن حق أي مسؤول أن يرد، ومن حق أي مستقيل أن يقدم روايته، ومن حق الصحافة أن تطرح الأسئلة. لكن لا يمكن أن تكون كثرة التدوينات بديلا عن الوثائق، ولا يمكن أن تكون حدة الخطاب بديلا عن الحقيقة.
ومنبر الحي، باعتباره منبرا إعلاميا محايدا، يفترض أن يواصل التعامل مع هذا الملف بالمسافة نفسها من جميع الأطراف، وأن يفتح المجال أمام مختلف الروايات، كما فعل عندما أتاح لأحمد بحير فرصة التعبير عن موقفه من الاستقالة.
فالمهنية لا تعني الوقوف مع الرئيس ضد معارضيه، ولا مع المستقيلين ضد المكتب، وإنما تعني منح كل طرف حقه في التعبير، ثم ترك الوقائع والأدلة للرأي العام كي يحكم عليها.
الرشاد البرنوصي اليوم أمام منعطف حقيقي. موسم صعب انتهى بالنزول، واستقالات فتحت أسئلة حول الوضع الداخلي، وتدوينات رفعت منسوب النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، ومتتبعون يريدون معرفة ما الذي حدث فعلا.
لكن تجاوز هذه المرحلة لن يكون عبر المزيد من السجالات، وإنما عبر المصارحة والمراجعة وتحمل المسؤولية.
فإذا كانت هناك أخطاء، ينبغي الاعتراف بها وتصحيحها. وإذا كانت هناك معلومات غير دقيقة، ينبغي توضيحها. وإذا كانت هناك خلافات داخلية، فمن الأفضل أن تناقش داخل المؤسسات وبشكل مسؤول. وإذا كانت هناك اتهامات محددة، فيجب أن تسندها الأدلة.
وفي النهاية، يبقى الرشاد البرنوصي أكبر من الأشخاص والخلافات والتدوينات. فهو ناد له تاريخه وجمهوره، ومصلحته تقتضي أن يتحول النقاش الحالي من صراع حول الماضي إلى مشروع للمستقبل.
فالهبوط محطة صعبة، لكنه ليس نهاية الطريق. والأهم الآن هو أن يعرف الجميع أين أخطأ النادي، وأن يستفيد من تلك الأخطاء، وأن يعيد بناء الثقة بين مكوناته، وأن يضع مشروعا واضحا يعيد الرشاد البرنوصي إلى المكانة التي يطمح إليها جمهوره.





