الانتخابات الإسرائيلية.. هل تنهي صناديق الاقتراع حقبة نتنياهو أم تعيد تشكيل المشهد السياسي؟

تأتي الانتخابات الإسرائيلية في مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تصاعد التحديات الأمنية والعسكرية، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، وتزايد الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية. وتكتسب هذه الانتخابات أهمية استثنائية، ليس فقط لأنها تحدد هوية القيادة السياسية المقبلة، بل لأنها تطرح تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل إسرائيل واتجاهاتها السياسية والأمنية وعلاقاتها الخارجية.

وتتمحور المنافسة بصورة أساسية حول مستقبل بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الأطول بقاءً في السلطة في تاريخ إسرائيل، ومدى قدرته على الاحتفاظ بمنصبه رغم الانتقادات التي تواجه حكومته، ولا سيما في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما أعقبه من حروب وتطورات عسكرية تركت آثارًا عميقة على المجتمع الإسرائيلي ومكانة البلاد الدولية.

وبينما يسعى معسكر نتنياهو إلى الحفاظ على نفوذه السياسي، تحاول قوى المعارضة استثمار حالة الاستياء الشعبي لتقديم بديل قادر على قيادة المرحلة المقبلة. غير أن الانقسامات بين هذه القوى تجعل نتائج الانتخابات مفتوحة على احتمالات متعددة، بما في ذلك استمرار الجمود السياسي أو الدخول في مرحلة جديدة من الصراعات الحزبية.

وتأتي هذه الانتخابات في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين شنت حركة حماس هجومًا على إسرائيل، في واحدة من أكثر الحوادث الأمنية دموية في تاريخها. وقد أعقب ذلك اندلاع الحرب في قطاع غزة، واتساع نطاق المواجهات لتشمل لبنان وإيران، الأمر الذي وضع إسرائيل أمام تحديات عسكرية وسياسية متشابكة.

ولم تقتصر تداعيات هذه الأحداث على الجانب الأمني، بل امتدت إلى الداخل الإسرائيلي، حيث تصاعدت المطالب بمحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم، وتزايدت التساؤلات بشأن قدرة القيادة السياسية والعسكرية على حماية المواطنين وإدارة الأزمات. وفي هذا السياق، ينظر قطاع من الناخبين إلى الانتخابات باعتبارها فرصة لمساءلة الحكومة التي كانت تتولى السلطة وقت وقوع الهجوم، وتحديد المسؤوليات عن الإخفاقات الأمنية، فضلًا عن اختيار القيادة التي ستتولى إدارة المرحلة المقبلة، بما تتطلبه من قرارات تتعلق بالأمن القومي والخدمة العسكرية والاقتصاد.

وتواجه حكومة نتنياهو انتقادات إضافية بسبب تحالفها مع أحزاب اليمين المتشدد والتيارات الدينية المحافظة، وهو تحالف أسهم في دفع البلاد نحو سياسات أكثر قومية وتدينًا. كما أثارت محاولات الحكومة إجراء تعديلات على النظام القضائي، من شأنها تقليص صلاحيات المحكمة العليا والحد من الرقابة على السلطة التنفيذية، احتجاجات واسعة خلال عام 2023. ويضاف إلى ذلك أن نتنياهو يواجه اتهامات بالفساد أمام القضاء، ما جعل مستقبله السياسي مرتبطًا، إلى حد كبير، بنتائج الانتخابات وقدرة معارضيه على تشكيل حكومة بديلة.

وبناءً على ذلك، لا تقتصر أهمية الانتخابات على التنافس بين الأحزاب، بل تتجاوز ذلك إلى تحديد ما إذا كانت إسرائيل ستواصل نهجها القومي والمحافظ، أم ستتجه نحو تغيير نسبي في سياساتها الداخلية والخارجية.

ويعتمد النظام الانتخابي الإسرائيلي على التصويت للقوائم الحزبية، وليس للمرشحين بصورة فردية. وتؤدي الانقسامات السياسية والدينية والقومية داخل المجتمع إلى تعدد الأحزاب والقوائم المشاركة في الانتخابات. وتبلغ عتبة التأهل لدخول الكنيست، وهو البرلمان الإسرائيلي، 3.25% من الأصوات الصحيحة، فيما يتكون البرلمان من 120 مقعدًا. ولا تستطيع الأحزاب التي تفشل في تجاوز هذه العتبة الحصول على تمثيل برلماني، ما يجعل الأصوات التي تحصل عليها عاملًا مؤثرًا في تحديد موازين القوى بين المعسكرات المتنافسة.

وتشير استطلاعات الرأي الواردة في المعطيات الانتخابية إلى أن عدد الأحزاب التي قد تتجاوز العتبة يتراوح بين 11 و13 حزبًا، مع توقعات بتوزيع المقاعد بينها وفق نظام التمثيل النسبي.

ويبرز حزب الليكود، بقيادة نتنياهو، بوصفه أحد أبرز أطراف المنافسة، في مواجهة حزب «ياشار» الوسطي الجديد، الذي يقوده غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق وأحد أبرز منافسي نتنياهو. وتكشف استطلاعات الرأي عن تباين واضح في تقديرات حجم الدعم الذي يحظى به الطرفان. فقد أظهر استطلاع للقناة 12 تقدم آيزنكوت بحصوله على 23 مقعدًا، مقابل 21 مقعدًا لليكود، بينما توقعت استطلاعات أخرى، من بينها استطلاع القناة 14، حصول الليكود على نحو 30 مقعدًا، مقابل قرابة 20 مقعدًا لحزب آيزنكوت. ورغم هذا التباين، تشير بعض استطلاعات الرأي التي تقارن بين الشخصيات المرشحة لرئاسة الحكومة إلى تقدم آيزنكوت على نتنياهو في مستوى التأييد الشخصي.

لكن تصدر حزب بعينه نتائج الانتخابات لا يعني بالضرورة قدرته على تشكيل الحكومة؛ إذ يتطلب ذلك الحصول على دعم 61 عضوًا من أعضاء الكنيست البالغ عددهم 120، وهو ما يجعل التحالفات السياسية عنصرًا حاسمًا في تحديد هوية رئيس الوزراء المقبل.

وتتوقع غالبية الاستطلاعات أن يحصل المعسكر المؤيد لنتنياهو على ما بين 49 و55 مقعدًا، وهو عدد لا يحقق الأغلبية المطلوبة. ويضم هذا المعسكر حزب الليكود، وأحزابًا يمينية متشددة يقودها بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، إلى جانب أحزاب دينية يهودية متشددة.

في المقابل، تواجه المعارضة تحديًا يتمثل في تباين مواقف مكوناتها واختلاف توجهاتها السياسية. فإلى جانب آيزنكوت، تضم الساحة أحزابًا يقودها رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت ووزير الدفاع السابق أفيغدور ليبرمان، فضلًا عن حزب «الديمقراطيين» بقيادة يائير غولان. ورغم معارضة هذه القوى لنتنياهو، فإنها لا تتفق بالضرورة على مرشح واحد لرئاسة الحكومة، كما أن بعض قادتها يطمحون إلى تولي المنصب بأنفسهم. كذلك، قد تحتاج أي حكومة بديلة إلى دعم الأحزاب العربية أو امتناعها عن التصويت، في ظل تحفظات لدى عدد من قادة المعارضة بشأن التعاون معها.

وتجعل هذه المعطيات تشكيل الحكومة المقبلة مهمة معقدة، إذ تبقى احتمالات الوصول إلى طريق مسدود، أو تشكيل حكومة أقلية، أو إقامة حكومة وحدة وطنية، أو اللجوء إلى انتخابات جديدة، قائمة في حال تعذر التوصل إلى اتفاق بين الأطراف السياسية.

وفي ظل تقارب فرص المعسكرات المتنافسة، قد تحدد تفاصيل انتخابية دقيقة شكل البرلمان المقبل. ومن أبرز هذه العوامل نسبة المشاركة، وعدد الأحزاب التي ستتمكن من تجاوز العتبة الانتخابية، وحجم الأصوات التي ستذهب إلى قوائم لا تنجح في دخول الكنيست. وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة لأن الفارق بين الحصول على مقعد برلماني إضافي أو خسارته قد يؤثر في قدرة أحد المعسكرات على تشكيل الحكومة، ولا سيما إذا كانت المنافسة متقاربة.

كما تمثل مشاركة المواطنين العرب في إسرائيل عاملًا مهمًا في تحديد النتائج. فهؤلاء يشكلون نحو 20% من السكان، لكن نسبة مشاركتهم الانتخابية تكون عادة أقل من المعدل العام. وفي انتخابات عام 2022، بلغت نسبة المشاركة العربية 53.2%، مقابل 70.6% على المستوى العام. وتشير التوقعات الواردة في المعطيات الانتخابية إلى احتمال ارتفاع المشاركة العربية في الانتخابات الحالية إلى أكثر من 60%.

وقد يؤدي ارتفاع هذه النسبة إلى زيادة الأصوات التي تحصل عليها الأحزاب العربية، فضلًا عن تأثيره في الحسابات المتعلقة بتوزيع المقاعد وفرص الأحزاب الصغيرة في تجاوز العتبة الانتخابية.

وتواجه بعض الأحزاب المنضوية ضمن معسكر نتنياهو مخاطر تتعلق بقدرتها على الحصول على نسبة الأصوات اللازمة لدخول البرلمان، ومن بينها حزب الصهيونية الدينية بقيادة سموتريتش، إلى جانب حزب يميني جديد يقوده الجنرال المتقاعد عوفر وينتر. وفي المقابل، تقترب بعض القوائم الجديدة، التي تركز على قضايا جنود الاحتياط والأوضاع الاقتصادية، من الحد الأدنى المطلوب لدخول الكنيست، الأمر الذي قد يجعل نتائجها عاملًا مؤثرًا في موازين القوى.

ومن العوامل الأخرى التي قد تؤثر في النتائج أصوات الإسرائيليين المقيمين خارج البلاد. فالقانون الإسرائيلي لا يتيح التصويت من الخارج إلا لفئات محددة، أبرزها أفراد السلك الدبلوماسي، ما يدفع المواطنين المقيمين في الخارج إلى السفر إلى إسرائيل للإدلاء بأصواتهم. وتشير البيانات الواردة في المعطيات الانتخابية إلى أن نحو 810 آلاف شخص، أي ما يزيد على 11% من إجمالي 7.3 مليون ناخب مؤهل، يعيشون خارج إسرائيل. ومن المتوقع أن يسافر آلاف منهم للمشاركة في التصويت، وهو ما قد يترك أثرًا ملموسًا في النتائج النهائية.

وعلى الرغم من أن القضايا الأمنية تحتل موقعًا رئيسيًا في النقاش السياسي الإسرائيلي، فإن الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة أصبحت من أبرز العوامل المؤثرة في توجهات الناخبين، خاصة بين فئة الشباب.

وتشير نتائج استطلاع للرأي أجرته القناة 12 إلى أن 21% من الإسرائيليين يعتبرون الاقتصاد وتكاليف المعيشة القضية الأهم في اختيارهم الانتخابي. وتأتي هذه النسبة أعلى من نسبة من يضعون تجنيد اليهود المتشددين في مقدمة أولوياتهم، والبالغة 17%، أو من يركزون على الإخفاق الأمني في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بنسبة 14%، أو الحرب مع إيران، بنسبة 10%.

وتختلف الأولويات باختلاف الانتماءات السياسية؛ إذ يحتل الصراع مع إيران موقعًا متقدمًا لدى مؤيدي ائتلاف نتنياهو، في حين يشكل الإخفاق الأمني الذي وقع في السابع من أكتوبر محور الاهتمام الأبرز لدى ناخبي المعارضة. وتؤكد هذه الاختلافات أن الانتخابات لا تدور حول قضية واحدة، بل تعكس تداخل الاعتبارات الاقتصادية والأمنية والسياسية في تحديد مواقف الناخبين.

وتبرز أهمية الاقتصاد بصورة أكبر لدى الشباب. فقد أظهر استطلاع أجراه مركز «أكورد» للأبحاث في الجامعة العبرية خلال سبتمبر/أيلول أن 58% من المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 22 و34 عامًا يعتبرون تكاليف المعيشة وأسعار السكن العامل الأساسي في تحديد خياراتهم الانتخابية، مقابل 36% يرون أن القضايا الأمنية هي الأولوية الأولى.

ورغم أهمية هذه المؤشرات، لم يحتل الاقتصاد موقعًا متقدمًا في الحملات الانتخابية منذ بدايتها، قبل أن يعيد نتنياهو طرحه في صدارة خطابه السياسي خلال الأيام الأخيرة من الحملة.

وفي مقابلة تلفزيونية تناولت القضايا الاقتصادية، تطرق نتنياهو إلى احتمال فرض عقوبات مصرفية دولية على إسرائيل في ظل تصاعد الانتقادات المتعلقة بالمستوطنات في الضفة الغربية المحتلة. وأشار إلى ضرورة تطوير اقتصاد قادر على مواجهة هذه الضغوط، متحدثًا عن إمكانية الاستفادة من العملات المشفرة وتقنية «بلوك تشين» لتجاوز بعض القيود المحتملة.

غير أن هذه التصريحات أثارت انتقادات من خبراء اقتصاديين، كما رفض بنك إسرائيل علنًا فكرة الاعتماد على العملات المشفرة وسيلة للالتفاف على العقوبات. واعتبر منافسو نتنياهو أن المقترح يعكس مخاوف من اتساع عزلة إسرائيل الاقتصادية والدبلوماسية. وسخر آيزنكوت من الفكرة، مطلقًا عليها تسمية «بيبي كوين»، ومحذرًا من تداعياتها المحتملة على الأمن القومي والاقتصاد الإسرائيلي على المدى الطويل.

ويمثل الإخفاق الأمني في السابع من أكتوبر/تشرين الأول أحد أبرز الملفات التي تواجه نتنياهو في هذه الانتخابات، خصوصًا أنه بنى جانبًا كبيرًا من مسيرته السياسية على تقديم نفسه بوصفه قائدًا قادرًا على حماية إسرائيل ومواجهة التهديدات الأمنية. لكن وقوع الهجوم خلال توليه رئاسة الحكومة أثار تساؤلات واسعة بشأن مسؤولية القيادة السياسية عن الإخفاقات التي سمحت باختراق الحدود الإسرائيلية.

وأسفر الهجوم عن مقتل أكثر من 1200 إسرائيلي، إضافة إلى اقتياد 251 رهينة إلى قطاع غزة، وفق الأرقام الواردة في المقال الأصلي. وقد شكلت هذه الأحداث نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني الإسرائيلي.

ورفض نتنياهو تحمل المسؤولية الشخصية عن الإخفاقات، كما عارض المطالب بتشكيل لجنة تحقيق رسمية. وأصبحت هذه القضية محورًا رئيسيًا في خطاب المعارضة، التي تتهمه بتجنب المساءلة السياسية عن أحد أخطر الأحداث الأمنية في تاريخ البلاد.

وفي المقابل، تركت الحرب في غزة آثارًا مباشرة على عدد من الشخصيات السياسية والعسكرية المشاركة في الانتخابات. فقد قُتل غال، نجل غادي آيزنكوت، الذي كان يبلغ من العمر 25 عامًا، خلال القتال في غزة في ديسمبر/كانون الأول 2023. وأسهمت هذه الخسارة الشخصية في تعزيز ارتباط صورته لدى بعض الناخبين بقضايا الأمن والتضحيات التي يقدمها الجنود وعائلاتهم.

كما ضمت قوائم انتخابية أخرى أفرادًا من عائلات فقدت أبناءها في الحرب، إلى جانب أقارب لرهائن إسرائيليين سابقين. واستقطبت أحزاب المعارضة مرشحين من جنود الاحتياط الذين شاركوا في العمليات العسكرية في غزة ولبنان، ما أعاد قضية الخدمة العسكرية إلى صدارة النقاش السياسي.

وتزداد حساسية هذا الملف في ظل الجدل المستمر بشأن إعفاء اليهود المتشددين، المعروفين باسم «الحريديم»، من الخدمة العسكرية. ففي الوقت الذي يخضع فيه معظم الإسرائيليين اليهود للتجنيد الإلزامي بعد بلوغ سن الثامنة عشرة، يتمتع الرجال من الحريديم منذ سنوات طويلة بإعفاءات تسمح لهم بالتفرغ للدراسات الدينية.

وقد سعى شركاء نتنياهو من الأحزاب الدينية إلى الحفاظ على هذه الإعفاءات وتوسيعها، بينما يؤكد الجيش الإسرائيلي حاجته إلى آلاف الجنود الإضافيين في ظل اتساع نطاق العمليات العسكرية وتعدد الجبهات. وأدى هذا الوضع إلى زيادة الأعباء الواقعة على جنود الاحتياط، الذين يضطرون إلى الاستجابة لاستدعاءات متكررة وقضاء فترات طويلة في الخدمة، قد تصل إلى مئات الأيام سنويًا.

وفي مواجهة هذه الأزمة، جعلت أحزاب المعارضة من مبدأ «الخدمة العسكرية للجميع» أحد أبرز تعهداتها الانتخابية، في محاولة لاستقطاب الناخبين الذين يرون أن توزيع الأعباء العسكرية بصورة غير متكافئة أصبح قضية ملحة لا يمكن تأجيلها.

وتثير نتائج الانتخابات الإسرائيلية تساؤلات مهمة بشأن مستقبل السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، خاصة أن الحكومة المنتهية ولايتها تبنت مواقف متشددة تجاه الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة. وقد ارتبط هذا النهج بدرجة كبيرة بمواقف وزراء اليمين القومي المتشدد، وفي مقدمتهم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، اللذان لعبا دورًا بارزًا في توجيه السياسات المتعلقة بالمستوطنات والأمن الداخلي والأراضي الفلسطينية.

فقد دفع سموتريتش، وزير المالية والمسؤول عن ملفات مدنية مرتبطة بالضفة الغربية المحتلة، نحو توسيع المستوطنات، كما ارتبط اسمه بإجراءات تتعلق بحجب عائدات الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية، وهي إجراءات يحذر منتقدون من أنها قد تؤدي إلى تفاقم أزمتها المالية وتهدد قدرتها على الاستمرار.

أما بن غفير، وزير الأمن القومي، فقد دعم تشديد الإجراءات بحق الأسرى الفلسطينيين، وأيد مشروع قانون لفرض عقوبة الإعدام، كما واجهت سياساته المتعلقة بإنفاذ القانون انتقادات بسبب ما اعتبره معارضوه ضعفًا في مواجهة عنف المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية.

كذلك، عارض الوزيران إنهاء الحرب في غزة، وأيدا إقامة مستوطنات إسرائيلية في القطاع، إلى جانب تبني مواقف تدعم ضم الضفة الغربية وفرض السيطرة الإسرائيلية عليها.

وفي حال عودة نتنياهو إلى الحكم بالتحالف نفسه، فمن المتوقع أن تستمر هذه السياسات، مع احتمال تشددها بصورة أكبر. فقد دعا سموتريتش إلى إلغاء اتفاقيات أوسلو وتفكيك السلطة الفلسطينية، بينما طرح بن غفير مواقف تدعو إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية.

ومع ذلك، لا يعني وصول المعارضة إلى الحكم بالضرورة حدوث تحول جذري في السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية. فآيزنكوت نفسه يرفض إقامة دولة فلسطينية، كما أن أي ائتلاف معارض محتمل سيضم أحزابًا يمينية لا تؤيد تقديم تنازلات جوهرية للفلسطينيين. ومن ثم، قد يقتصر التغيير في حال تشكيل حكومة جديدة على أسلوب إدارة الملفات السياسية والأمنية، بدلًا من إحداث تغيير شامل في التوجهات الأساسية.

ومع ذلك، فإن استبعاد بن غفير وسموتريتش من الحكومة قد يفتح المجال أمام إجراءات أكثر صرامة لمواجهة عنف المستوطنين، ويحد من التصريحات الداعية علنًا إلى تهجير الفلسطينيين أو إسقاط السلطة الفلسطينية. وقد يتيح هذا التغيير أيضًا مساحة أوسع للتعامل مع المبادرات الأمريكية والإقليمية المتعلقة بمستقبل قطاع غزة.

لكن أي حكومة مقبلة ستواجه تحديات معقدة، من بينها مستقبل سلاح حركة حماس، والجهة التي ستتولى إعادة إعمار القطاع، والآليات اللازمة لإعادة فرض القانون والنظام في الضفة الغربية، فضلًا عن غياب توافق سياسي واضح بشأن التسوية النهائية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ولا تقتصر أهمية الانتخابات الإسرائيلية على الشأن الداخلي، بل تمتد إلى علاقات البلاد مع المجتمع الدولي، في ظل تراجع مكانتها الدبلوماسية نتيجة الحروب في غزة ولبنان، والتصعيد مع إيران، واستمرار التوترات المرتبطة بالمستوطنات في الضفة الغربية.

وقد واجهت إسرائيل انتقادات متزايدة من دول ومنظمات دولية بسبب العمليات العسكرية في غزة والأوضاع الإنسانية في القطاع. كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق نتنياهو بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ما يفرض قيودًا محتملة على تحركاته الدولية في الدول التي قد تكون ملزمة بتنفيذ المذكرة.

وفي سياق متصل، ذكرت لجنة تابعة للأمم المتحدة، وفق ما أورده المقال الأصلي، أن إسرائيل واصلت ارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة حتى بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية أمريكية في أكتوبر/تشرين الأول السابق. وقد رفضت إسرائيل هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها جزء من حملة تضليل تستهدفها.

وعلى الرغم من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه لنتنياهو قبيل التصويت، فإن اتجاهات الرأي العام الأمريكي تشير إلى تنامي الانتقادات لإسرائيل ولرئيس حكومتها.

فقد أظهر استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث في مارس/آذار 2026 أن 60% من البالغين الأمريكيين المشاركين فيه يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، فيما أعرب 59% عن عدم ثقتهم، أو ضعف ثقتهم، بقدرة نتنياهو على اتخاذ القرارات الصحيحة بشأن الشؤون العالمية. كما كشفت نتائج استطلاع آخر للتوجهات العالمية أُجري في ربيع العام نفسه عن وجود اتجاهات سلبية تجاه إسرائيل ورئيس وزرائها لدى أغلبية المشاركين في معظم الدول الـ36 التي شملها الاستطلاع.

وظهر هذا التحول بصورة واضحة في أوروبا الغربية، حيث اعترفت عدة دول، من بينها المملكة المتحدة وفرنسا وكندا، بالدولة الفلسطينية، إلى جانب اتخاذ إجراءات وعقوبات مرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية وبعض الأفراد والكيانات المتهمة بالارتباط بعنف المستوطنين. كما فُرضت عقوبات شخصية على بن غفير وسموتريتش، شملت قيودًا على سفرهما إلى عدد من الدول الغربية.

وفي ضوء هذه التطورات، قد يؤدي استمرار حكومة نتنياهو إلى زيادة الضغوط الدولية على إسرائيل، خاصة إذا واصلت السياسات التي تثير اعتراضات الحكومات الغربية والمنظمات الدولية. أما إذا نجحت المعارضة في تشكيل حكومة جديدة، فقد تتاح فرصة لتخفيف حدة التوترات الدبلوماسية، خصوصًا إذا اتخذت الحكومة خطوات أكثر صرامة لمواجهة عنف المستوطنين، وأبدت استعدادًا أكبر للتعاون مع بعض المبادرات الدولية والإقليمية.

لكن من غير المرجح أن يؤدي تغير القيادة وحده إلى تحول جذري في السياسة الخارجية أو الأمنية الإسرائيلية، بالنظر إلى استمرار التوافق بين عدد من القوى السياسية الرئيسية حول قضايا الأمن والعمليات العسكرية والملف الفلسطيني.

وتكشف الانتخابات الإسرائيلية عن مرحلة سياسية دقيقة تتداخل فيها الأزمات الأمنية والاقتصادية مع الانقسامات الحزبية والضغوط الدولية. فبينما يسعى نتنياهو إلى الاحتفاظ بالسلطة، تحاول المعارضة تحويل حالة الاستياء الشعبي إلى فرصة لإعادة تشكيل الحكومة، مستفيدة من الانتقادات المتعلقة بالإخفاق الأمني في السابع من أكتوبر، وتكاليف الحرب، وأزمة الخدمة العسكرية، وتراجع المكانة الدولية لإسرائيل.

ومع ذلك، فإن تعدد الأحزاب وتباين توجهاتها يجعل الوصول إلى أغلبية برلمانية مستقرة أمرًا معقدًا، حتى في حال تراجع شعبية الحكومة الحالية. ولذلك، قد لا تحسم الانتخابات الصراع السياسي بقدر ما تنقله إلى مرحلة جديدة من المفاوضات والتحالفات.

وعلى الصعيد الفلسطيني، لا تبدو فرص التغيير الجذري مضمونة، حتى إذا وصلت المعارضة إلى الحكم، بسبب استمرار الخلافات حول إقامة الدولة الفلسطينية ومستقبل الضفة الغربية وقطاع غزة. أما دوليًا، فقد يسهم تغير القيادة في تخفيف بعض التوترات، لكنه لن يكون كافيًا وحده لاستعادة الثقة بإسرائيل أو إنهاء الخلافات المرتبطة بسياساتها العسكرية والاستيطانية.

وبذلك، تتجاوز أهمية الانتخابات مسألة بقاء نتنياهو أو رحيله، لتطرح سؤالًا أوسع بشأن قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على معالجة أزماته المتراكمة، وتحقيق الاستقرار الداخلي، وإعادة بناء علاقاته الخارجية، وتحديد مسار تعامله مع القضية الفلسطينية خلال المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى