مستجدات انتخابية جديدة لتعزيز النزاهة وتشديد الرقابة على العملية الانتخابية

تدخل الاستحقاقات الانتخابية المقررة في 23 شتنبر الجاري في ظل منظومة قانونية جديدة تتضمن مجموعة من المقتضيات الهادفة إلى تعزيز نزاهة العملية الانتخابية والحد من الممارسات التي يمكن أن تؤثر في سلامة التصويت وصدقية النتائج.

وتسعى هذه الإجراءات إلى ترسيخ قواعد أكثر صرامة في تدبير العملية الانتخابية، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، ويرفع منسوب المسؤولية لدى الفاعلين السياسيين، ويكرس مبدأ ربط الترشح للمسؤولية العمومية بالنزاهة والاستقامة واحترام القانون.

ومن أبرز المستجدات التي حملتها القواعد الجديدة، تشديد شروط الأهلية للترشح، إذ أصبح الأشخاص المتابعون في حالة تلبس أو المدانون ابتدائيا أو استئنافيا في عدد من الجرائم المحددة قانونا عرضة للمنع من الترشح.

وبموجب هذه المقتضيات، يمكن رفض ترشح الشخص الذي يتم ضبطه في حالة تلبس بارتكاب جرائم تمس بالأخلاق أو الاستقامة أو سلامة الذمة، فضلا عن الأفعال التي تستهدف نزاهة العملية الانتخابية. وإذا تم ضبط المترشح بعد إيداع ملف ترشيحه، فإن ذلك قد يؤدي إلى إلغاء ترشحه وفقا للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل.

كما تشمل القيود الأشخاص الصادرة في حقهم أحكام ابتدائية بالإدانة في جنايات، حيث تترتب عن هذه الأحكام آثار مباشرة على أهليتهم الانتخابية، بالنظر إلى خطورة الأفعال موضوع الإدانة. وينطبق المنع كذلك على الأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام استئنافية تقضي بإدانة تؤدي إلى فقدان الأهلية الانتخابية.

ويأتي اعتماد حالة التلبس ضمن هذه القيود باعتباره إجراء احترازيا يرمي إلى حماية نزاهة العملية الانتخابية وصورة المؤسسات المنتخبة، دون أن يعني ذلك بالضرورة المساس بمبدأ قرينة البراءة، باعتبار أن الهدف الأساسي هو اتخاذ تدابير وقائية مرتبطة بشروط الترشح.

وفي جانب آخر، جرى تشديد القيود المفروضة على المنتخبين الذين سبق عزلهم من مسؤوليات انتدابية بسبب مخالفات تستوجب العزل، من خلال تمديد فترة عدم الأهلية للترشح إلى دورتين انتخابيتين كاملتين. ويهدف هذا الإجراء إلى منع العودة السريعة إلى مواقع المسؤولية، وتعزيز قواعد الحكامة والنزاهة في تدبير الشأن العام.

ولم تقتصر التعديلات على شروط الترشح، بل شملت أيضا الجانب الزجري المرتبط بالمخالفات والجرائم الانتخابية. فقد طال التعديل عددا كبيرا من المقتضيات القانونية، مع تشديد العقوبات الحبسية والغرامات المالية، إلى جانب إعادة تكييف بعض الأفعال من جنح إلى جنايات بالنظر إلى خطورتها وتأثيرها المحتمل في سلامة الانتخابات.

ويعكس هذا التشديد توجها نحو جعل القانون أكثر قدرة على مواجهة الممارسات التي قد تفرغ العملية الانتخابية من مضمونها، سواء تعلق الأمر بالتأثير غير المشروع في الناخبين، أو المساس بحرية الاختيار، أو التلاعب بالنتائج، أو استخدام وسائل غير قانونية للتأثير في مجريات الاقتراع.

ومع الانتشار الواسع للمنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، امتدت دائرة التجريم أيضا إلى الاستخدام غير المشروع للتكنولوجيا الحديثة في الجرائم الانتخابية. وأصبحت الأفعال المرتكبة بواسطة المنصات الإلكترونية أو أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل إنتاج أو نشر محتويات مفبركة وأخبار زائفة أو تركيب صور وتصريحات بهدف التشهير بالمترشحين أو الإضرار بهم أو المساس بخصوصية الناخبين، محل تشدد قانوني.

وفي السياق نفسه، تم وضع قيود على نشر الإعلانات السياسية الممولة عبر منصات أجنبية، في مسعى إلى تحصين المجال الانتخابي من أي تأثيرات خارجية يمكن أن تمس باستقلالية القرار الانتخابي أو تؤثر في اختيارات الناخبين.

كما شملت الإجراءات الجديدة استبعاد إمكانية الاستفادة من العقوبات البديلة بالنسبة إلى بعض الجنح المرتكبة بمناسبة انتخاب أعضاء مجلس النواب، وهو ما يعكس رغبة في إضفاء طابع أكثر صرامة على التعامل مع الأفعال التي تمس بالعملية الانتخابية.

وعلى مستوى مكاتب التصويت، حملت المقتضيات الجديدة تعديلا يهم طريقة وضع معزل التصويت، حيث سيتم اعتماد معزل مكشوف من الجهة المقابلة لأعضاء مكتب التصويت وممثلي المترشحين. ويرتبط هذا الإجراء بالحفاظ على سرية الاقتراع ومنع بعض الممارسات التي قد تؤثر في حرية التصويت، من قبيل تصوير ورقة الاقتراع أو استخدام وسائل تقنية للتأثير في العملية.

وتعكس مجمل هذه المستجدات توجها نحو إعادة بناء الثقة في العملية الانتخابية من خلال الجمع بين الوقاية والردع، وتشديد شروط الترشح، وتوسيع نطاق التجريم ليشمل الوسائل الرقمية الحديثة، فضلا عن تعزيز الضوابط داخل مكاتب التصويت.

ويراهن هذا الإطار الجديد، في نهاية المطاف، على جعل الاستحقاقات الانتخابية أكثر شفافية ونزاهة، وربط ممارسة المسؤولية السياسية باحترام قواعد الاستقامة والالتزام بالقانون، بما يسمح للمؤسسات المنتخبة بأن تعكس بشكل أكثر وضوحا الإرادة الحقيقية للناخبين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى