وفاة مهاجر مغربي في بولونيا تثير احتجاجات وتعيد الجدل حول تعامل الشرطة مع المهاجرين

أثارت وفاة مهاجر مغربي في مدينة بولونيا الإيطالية موجة من الاحتجاجات، سرعان ما تحولت إلى مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن، في حادثة أعادت إلى الواجهة النقاش بشأن أساليب تدخل الشرطة الأوروبية في التعامل مع المهاجرين، وسط مطالب بإجراء تحقيق شفاف ومستقل لكشف ملابسات الواقعة وتحديد المسؤوليات.
وشهدت مدينة بولونيا، الاثنين، احتجاجات شارك فيها مئات الأشخاص، عقب وفاة عبد الرحيم فاكير، وهو رجل أعمال من أصول مغربية كان يدير شركة صغيرة تنشط في مجال خدمات النقل والتنظيف، وذلك إثر تدخل أمني بهدف توقيفه.
وانتشرت على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة التقطها أحد سكان المنطقة، تظهر الضحية وهو ممدد على الأرض، بينما كان عنصران من الشرطة يثبتانه، في وقت بدا فيه وهو يطلب المساعدة ويعاني صعوبة في التنفس، قبل أن تتوقف حركته بشكل تدريجي، ما أثار موجة من الغضب والاستنكار داخل المدينة وخارجها.
وخلال الاحتجاجات، رفع المتظاهرون شعارات تنتقد أسلوب تعامل الشرطة مع الحادثة، فيما أفادت تقارير إعلامية بأن بعض المحتجين ألقوا مفرقعات بالقرب من مبان أمنية، الأمر الذي دفع قوات الأمن إلى استخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين.
وعلى المستوى السياسي، أثارت الواقعة انقساما في المواقف، حيث طالبت أحزاب معارضة بفتح تحقيق ومحاسبة المسؤولين في حال ثبوت أي تجاوزات، في حين دافعت أطراف من الائتلاف الحكومي عن عناصر الشرطة، داعية إلى انتظار نتائج التحقيقات الرسمية قبل إصدار أي أحكام.
وفي السياق ذاته، باشرت النيابة العامة تحقيقا رسمياً لتحديد ظروف وملابسات الوفاة، فيما أكدت السلطات الإيطالية ثقتها في أن التحقيقات ستكشف حقيقة ما جرى. كما أعلنت شرطة بولونيا استعدادها لتسليم تسجيلات الكاميرات المثبتة على أجساد عناصر الأمن إلى الجهات المكلفة بالتحقيق.
وبحسب المعطيات المتداولة، تدخلت الشرطة بعد تلقي بلاغ يفيد بأن شخصاً يتصرف بطريقة عدوانية ويلحق أضراراً بإحدى السيارات في حي بيلاسترو شمال شرقي بولونيا، في ظل درجات حرارة تجاوزت 35 درجة مئوية.
وأشارت المعطيات نفسها إلى أن عناصر الأمن حاولوا في البداية تهدئة الرجل، قبل اللجوء إلى استخدام رذاذ الفلفل وتثبيته على الأرض خلال محاولة تقييده، بعد مقاومته للتدخل، ليفارق الحياة في وقت لاحق.
ومن جانبها، طالبت خديجة فاكير، شقيقة الضحية، بتحقيق العدالة وكشف الحقيقة، مؤكدة أن شقيقها فقد حياته بطريقة غير مقبولة. وجاءت تصريحاتها خلال مشاركتها في وقفة احتجاجية نظمها مئات الأشخاص في الحي الذي شهد الواقعة.
وأعادت الحادثة فتح نقاش أوسع حول أوضاع المهاجرين في أوروبا، ومدى تمتعهم بالحماية القانونية والحقوقية نفسها التي يتمتع بها باقي أفراد المجتمع، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتدخلات الأمنية.
وفي هذا السياق، يرى ناشطون في مجال الهجرة أن مثل هذه الوقائع لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حوادث معزولة، بل يجب أن تكون مناسبة لتعزيز آليات الرقابة على التدخلات الأمنية، وضمان احترام حقوق الإنسان وكرامة جميع الأفراد، بغض النظر عن أصولهم أو أوضاعهم القانونية.
كما أن تكرار مثل هذه الحوادث في عدد من الدول الأوروبية يثير مخاوف متزايدة لدى الجاليات المهاجرة، التي تواجه، إلى جانب التحديات الاجتماعية والاقتصادية، تنامي بعض مظاهر التمييز وخطابات الكراهية والصور النمطية التي قد تجعل أفرادها عرضة للريبة والوصم.
ويؤكد مهتمون بقضايا الهجرة أن بناء الثقة بين المؤسسات الأمنية والجاليات المهاجرة يتطلب مسؤولية مشتركة، تقوم على تعزيز التواصل، واحترام القانون، وضمان الشفافية في التعامل مع القضايا التي تنطوي على وفاة أو إصابة أثناء التدخلات الأمنية.
كما تبرز الحاجة إلى مواصلة مواكبة أوضاع المواطنين المقيمين في الخارج، ليس فقط عند وقوع حوادث مأساوية، وإنما من خلال تعزيز قنوات التواصل معهم والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، في ظل تحول ملف الهجرة إلى مسؤولية مشتركة بين دول المنشأ ودول الاستقبال.
وتبقى حادثة بولونيا، في انتظار نتائج التحقيق الرسمي، محط اهتمام واسع، خصوصاً أن القضية تجاوزت حدود حادثة وفاة فردية لتطرح أسئلة أعمق حول حماية حقوق المهاجرين، وضرورة ضمان معاملة تحفظ كرامتهم الإنسانية، وتكفل لهم الحماية نفسها التي ينص عليها القانون لجميع أفراد المجتمع.





