غلاء الغازوال يشعل مطالب الزيادة في تعريفة سيارات الأجرة الصغيرة بالدار البيضاء

أعادت الارتفاعات المتتالية في أسعار المحروقات بمدينة الدار البيضاء النقاش حول تعريفة سيارات الأجرة الصغيرة إلى الواجهة، بعدما طالب مستغلو رخص سيارات الأجرة بمراجعة الأسعار المعمول بها، من خلال رفع الحد الأدنى للرحلة من 8 دراهم إلى نحو 12 درهماً، في خطوة يرون أنها أصبحت ضرورية لمواكبة التكاليف المتزايدة لممارسة هذا النشاط.
وتأتي هذه المطالب في ظل الارتفاع الملحوظ الذي سجلته أسعار الغازوال خلال الأشهر الأخيرة، إذ تجاوز سعر اللتر الواحد 16 درهماً خلال أكتوبر الجاري، متأثراً بالتقلبات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية والتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.
ويرى مستغلو سيارات الأجرة أن استمرار العمل بالتعريفة الحالية بات يطرح صعوبات متزايدة، بالنظر إلى تأثير ارتفاع أسعار الوقود على مصاريف الاستغلال، وهو ما دفعهم إلى تكثيف تحركاتهم للمطالبة بتدخل السلطات المختصة من أجل مراجعة التسعيرة المعتمدة.
السائقون المهنيون يحذرون من انعكاسات الزيادة
في المقابل، يثير مقترح مراجعة التعريفة مخاوف لدى السائقين المهنيين، الذين يعتبرون أن أي زيادة في أسعار الرحلات لا تضمن بالضرورة تحسين أوضاعهم المادية، خاصة في ظل ما يصفونه باختلالات في العلاقة التي تجمعهم بمستغلي الرخص.
وفي هذا السياق، أكد سمير فرابي، الأمين العام للنقابة الديمقراطية للنقل، أن مطالب رفع التعريفة مطروحة بالفعل، وتتم متابعتها عبر أشكال احتجاجية وملفات مطلبية موجهة إلى الجهات المعنية.
وأوضح أن التجارب السابقة أظهرت أن الاستفادة من الزيادات المقررة في تسعيرة الرحلات لا تنعكس بالضرورة على مداخيل السائقين، بل قد تتحول إلى مكسب إضافي لمستغلي الرخص، في حال عدم اتخاذ تدابير تضمن توزيعاً أكثر إنصافاً للعائدات.
وشدد فرابي على ضرورة ربط أي قرار محتمل بالزيادة في التعريفة بإجراءات تنظيمية واضحة، وفي مقدمتها تحديد قيمة المبلغ اليومي الذي يؤديه السائق المهني مقابل استغلال سيارة الأجرة، والمعروف بـ«الروسيطة»، تفادياً لاستغلال مراجعة الأسعار لرفع الأعباء المالية المفروضة عليه.
«الروسيطة» في قلب الخلاف بين المستغلين والسائقين
وتتمحور أبرز مطالب السائقين المهنيين حول وضع سقف محدد للواجبات اليومية التي يؤدونها لمستغلي الرخص، باعتبارها أحد العوامل المؤثرة بشكل مباشر على دخلهم الصافي.
وبحسب فرابي، فإن الزيادات السابقة في تعريفة النقل كانت تتزامن، في حالات عديدة، مع رفع قيمة المبالغ اليومية التي يطالب بها مستغلو السيارات، ما يؤدي إلى تقليص استفادة السائقين من أي تحسن في المداخيل.
وأشار إلى أن هذه المبالغ قد ترتفع أحياناً بنحو 100 درهم يومياً، الأمر الذي يزيد من حدة الضغوط المالية على السائقين، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف الوقود ومتطلبات الصيانة وغيرها من المصاريف المرتبطة بالعمل.
واعتبر أن معالجة هذا الإشكال تستدعي اعتماد قواعد واضحة لتنظيم العلاقة المالية بين الطرفين، على غرار الضوابط المعمول بها في العلاقة بين صاحب المأذونية ومستغلها، بما يحد من الاختلالات ويضمن حماية حقوق السائقين المهنيين.
تعدد الأطراف يعقد تدبير قطاع سيارات الأجرة
ويقوم نظام استغلال سيارات الأجرة على علاقة تجمع ثلاثة أطراف رئيسية، لكل واحد منها دور مختلف في تدبير النشاط.
فالطرف الأول هو صاحب المأذونية، الذي يستفيد من الترخيص الإداري الممنوح له وفق الضوابط المعمول بها، وقد تنتقل حقوقه إلى ذوي حقوقه بعد الوفاة. ولا يشترط أن يكون صاحب المأذونية سائقاً مهنياً، إذ يعمد في الغالب إلى تأجير حق استغلالها مقابل عائد مالي.
أما الطرف الثاني، فهو مستغل الرخصة، الذي يستأجر المأذونية من صاحبها، ويتولى عادة توفير السيارة وتجهيزها وتحمل مصاريف التأمين والصيانة، إلى جانب تدبير الجوانب العملية المرتبطة باستغلالها.
ويأتي السائق المهني باعتباره الطرف الذي يتولى قيادة السيارة وتقديم خدمات النقل للزبائن، مقابل شروط مالية تختلف باختلاف الاتفاقات المعمول بها بينه وبين المستغل.
ويجعل هذا التداخل في المصالح من مسألة تحديد التعريفة وتنظيم الواجبات المالية موضوعاً حساساً، خصوصاً عندما تتغير تكاليف الاستغلال دون أن يقابلها تحسن ملموس في دخل السائقين.
اتهامات بشأن تدبير الدعم الحكومي
ولم تقتصر مخاوف المهنيين على الزيادات المحتملة في الواجبات اليومية، بل امتدت أيضاً إلى طريقة تدبير الدعم الحكومي المخصص لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات.
وفي هذا الإطار، أشار فرابي إلى أن عدداً من السائقين، بحسب ما أفاد به، لا يتوصلون بكامل مستحقاتهم المالية، متهماً بعض مستغلي الرخص بالاستحواذ على مبالغ الدعم الموجهة لمهنيي القطاع، وترك السائقين يتحملون بمفردهم تداعيات غلاء الوقود وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويعيد هذا الوضع طرح مسألة الحكامة داخل قطاع سيارات الأجرة، وضرورة وضع آليات أكثر فعالية لضمان وصول الدعم إلى المستفيدين المستهدفين، إلى جانب تنظيم العلاقة التعاقدية والمالية بين مختلف المتدخلين.
وبين مطالب مستغلي الرخص بمراجعة التعريفة ومخاوف السائقين من ارتفاع الأعباء اليومية، يظل تدخل السلطات المختصة عاملاً أساسياً في تحديد مآل هذا الملف، وسط مطالب بإيجاد صيغة متوازنة تراعي تكاليف الاستغلال، وتحمي القدرة الشرائية للمواطنين، وتضمن في الوقت نفسه حقوق السائقين المهنيين.





