رقمنة 8 ملايين ملف قضائي بالمغرب.. وهبي يكشف تفاصيل مشروع تحديث الأرشيف واستقلالية القضاء

كشف وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، عن تقدم مشروع رقمنة الأرشيف القضائي، معلنا أن الوزارة تمكنت، خلال السنوات الثلاث الماضية، من ضبط نحو 8 ملايين ملف من أصل 160 مليون ملف محفوظ بالمحاكم، في إطار جهود تروم تحديث تدبير الوثائق القضائية وتسهيل عملية الوصول إليها.
وأوضح وهبي، خلال عرضه مشروع الميزانية الفرعية لوزارة العدل برسم السنة المالية 2027 أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، أن العمل جارٍ على رقمنة الملفات وتنظيمها وتحديد أطرافها وأماكن حفظها، تمهيدا لإدراج بياناتها ضمن منصة إلكترونية تتيح للمرتفقين التعرف على مواقع وجودها داخل مستودعات المحاكم، دون الحاجة إلى إجراءات معقدة أو عمليات بحث مطولة.
وأكد وزير العدل أن الأرشيف القضائي يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع، بالنظر إلى حساسية المعلومات التي يتضمنها، وارتباطها بالحياة الشخصية للمواطنين وأسرهم وممتلكاتهم وحقوقهم ومواريثهم. كما لفت إلى أن ظروف حفظ عدد من الملفات، سواء داخل المستودعات أو في أقبية المحاكم، تفرض ضرورة الإسراع في تنظيمها وتأمينها وضمان حمايتها.
وأشار المسؤول الحكومي إلى أن نطاق المشروع لن يقتصر على وثائق المحاكم، بل سيمتد مستقبلا ليشمل أرشيف الموثقين الذين يتوفون أو يتوقفون عن ممارسة مهامهم، بالنظر إلى أهمية الوثائق التي يتركونها، وما تتضمنه من بيانات مرتبطة بممتلكات المواطنين ووصاياهم وحقوقهم القانونية.
تنسيق جديد لتجاوز ازدواجية رقمنة المحاكم
وفي سياق متصل، تطرق وهبي إلى الصعوبات التي واجهت ورش رقمنة المحاكم، موضحا أن الوزارة والسلطة القضائية اشتغلتا، في مراحل سابقة، على تطوير أنظمة وبرامج رقمية بشكل منفصل، وهو ما تسبب في تخصيص اعتمادات مالية لبرامج متشابهة أو متداخلة.
وأضاف أن هذا الوضع استدعى عقد اجتماعات بين الطرفين بهدف تجاوز الازدواجية وتوحيد الجهود، والاتفاق على اعتماد مشروع شامل لرقمنة منظومة العدالة، بميزانية جرى التنسيق بشأنها مع وزارة الاقتصاد والمالية، إلى جانب مناقشة الجهة التي ستتولى صرف الاعتمادات وأداء مستحقات المؤسسات المكلفة بتنفيذ المشروع.
وأوضح أن طبيعة المعطيات التي ستتم معالجتها، خاصة تلك المتعلقة بالمتهمين والشهود والأسرار القضائية، أثارت تساؤلات بشأن إمكانية إسناد المشروع إلى شركات القطاع الخاص، قبل التوجه نحو تكليف إحدى مؤسسات الدولة بتنفيذه.
كما جرى اقتراح إسناد صفة الآمر بالصرف إلى الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، بهدف تفادي التعقيدات الإدارية المرتبطة بمساطر صرف الميزانية داخل وزارة العدل.
وهبي يؤكد ضرورة الفصل بين اختصاصات الوزارة والسلطة القضائية
وبخصوص العلاقة بين وزارة العدل والسلطة القضائية، شدد وهبي على أهمية احترام استقلالية القضاء والنيابة العامة عن الوزارة، مع الإبقاء على آليات التنسيق والتعاون المؤسساتي، معتبرا أن عدم وضوح الحدود بين اختصاصات الطرفين قد يؤدي إلى تداخل المسؤوليات ويؤثر على سير العمل داخل المحاكم.
وفي هذا الإطار، أوضح أن استقلالية السلطة القضائية تقتضي عدم تدخل الوزارة في تدبير الشؤون المرتبطة بالقضاة، بما في ذلك الاطلاع على تقارير التفتيش الخاصة بهم، لما تتضمنه من معلومات حساسة تتعلق بالملفات والمداولات القضائية.
وفي المقابل، تتولى وزارة العدل مهام التفتيش المرتبطة بالإدارة القضائية والموظفين العاملين بها، مع اعتماد آلية للتنسيق بين جهازي التفتيش، من خلال تنظيم زيارات متزامنة للمحاكم يقوم بها مفتشو السلطة القضائية ومفتشو الإدارة القضائية، مع احتفاظ كل طرف باستقلالية مهامه وصلاحياته.
ويروم هذا الإجراء، بحسب المعطيات المقدمة، تمكين المؤسستين من تحديد المسؤوليات بدقة عند رصد أي اختلالات داخل المرافق القضائية، دون المساس باختصاصات كل جهة.
كما أبرز وهبي أن مسار الفصل المؤسساتي شمل أيضا الميزانيات والإدارات المرتبطة بالسلطة القضائية، مؤكدا أن لكل مؤسسة ميزانيتها الخاصة، وأن تدبير الموارد المالية يجب أن ينسجم مع مبدأ استقلالية الاختصاصات.
وضرب مثالا بتوفير السيارات للمسؤولين القضائيين، موضحا أن تولي وزير العدل مباشرة تسليم سيارة إلى رئيس محكمة قد يطرح إشكالا مرتبطا باستقلالية هذا الأخير، لذلك يتم التنسيق مع الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي يتولى تدبير هذه العملية.
إحداث المحاكم لا يعني انطلاق عملها بشكل فوري
وفي ما يتعلق بتنظيم الخريطة القضائية، أوضح وزير العدل أن إحداث محكمة جديدة بموجب مرسوم لا يعني بالضرورة شروعها الفوري في تقديم خدماتها، إذ يتطلب تشغيلها استكمال مجموعة من الإجراءات، وفي مقدمتها تعيين المسؤولين القضائيين، بدءا برئيس المحكمة وصولا إلى المسؤولين عن النيابة العامة، وهي اختصاصات تدخل ضمن صلاحيات السلطة القضائية.
وأكد أن التجربة أظهرت أهمية التنسيق والتشاور بين المؤسستين، حيث تضطلع وزارة العدل بمسؤولية إحداث المحاكم وتوفير الإمكانيات اللازمة لاشتغالها، بينما تتولى السلطة القضائية التعيينات الضرورية، بما يضمن انطلاق عمل المؤسسات القضائية في ظروف مناسبة.
إصلاحات قضائية تحتاج إلى التقييم والتصحيح
وفي معرض حديثه عن مستقبل الإصلاحات، اعتبر وهبي أن الأوراش التشريعية والإدارية والقضائية التي تعمل عليها الوزارة تحتاج إلى وقت كافٍ حتى تدخل حيز التنفيذ، وتظهر نتائجها الفعلية، بما يسمح بتقييم الاختيارات المعتمدة ورصد الاختلالات التي قد ترافق تنزيلها.
وشدد على أن تطوير منظومة العدالة يظل مسارا متواصلا يستوجب مراجعة بعض التدابير وتصحيحها كلما دعت الضرورة إلى ذلك، مبرزا أن العمل داخل المؤسسات الحكومية، شأنه شأن مختلف المجالات، يظل عملا بشريا قابلا للخطأ، ويحتاج إلى التقييم المستمر والاستعداد لإجراء التعديلات اللازمة.





