بوريطة يكشف كواليس الموقف الروسي ويرسم ملامح مرحلة جديدة في ملف الصحراء المغربية

أكد ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، أن المملكة المغربية كانت على اطلاع مسبق بالموقف الروسي قبل أيام من التصويت داخل مجلس الأمن الدولي، مشيراً إلى أن هذا الموقف لم يشكل مفاجأة للرباط، التي تعاملت معه وفق رؤية استراتيجية تستحضر مصالحها الوطنية والتوجيهات الملكية.
وأوضح بوريطة، خلال حوار خاص مع القناة الثانية، خُصص لمناقشة آخر التطورات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية، أن المغرب لم يتجه نحو ممارسة ضغوط على موسكو أو محاولة تغيير موقفها، بل اختار التعامل مع المعطيات الجديدة بواقعية، واستثمارها لفهم التحولات التي يعرفها الملف، بما يخدم المصالح العليا للمملكة.
وشدد المسؤول الحكومي على أن طموح المغرب كان يتمثل في صدور قرار واضح وحاسم عن مجلس الأمن، ينسجم مع مضامين القرار رقم 2797، ويحدد بشكل دقيق أسس العملية السياسية الأممية، والأطراف المعنية بالمفاوضات، والآفاق المنتظرة منها، إلى جانب التطرق إلى الأوضاع الإنسانية داخل مخيمات تندوف.
وأضاف أن المشاورات بشأن القرار استمرت على مدى ثلاثة أسابيع، معتبراً أن حجم الدعم الذي حظي به يعكس أهمية المواقف والرسائل التي ينبغي أن تتضمنها قرارات مجلس الأمن، والتي يتعين أن تكون دقيقة وواضحة، بعيداً عن العبارات الفضفاضة والتأويلات المحتملة.
نهاية مرحلة وبداية مقاربة جديدة
وفي تقييمه للتحولات التي شهدها الملف، اعتبر بوريطة أن التطورات الأخيرة لا تعني عودة المغرب إلى نقطة الصفر أو التراجع 35 سنة إلى الوراء، بل تمثل فرصة لإنهاء مرحلة ارتبطت بظروف سياسية وميدانية لم تعد قائمة اليوم.
وأوضح أن بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «المينورسو» أُنشئت في سياق تاريخي مختلف، كانت تسوده رهانات مرتبطة بتنظيم الاستفتاء، غير أن المعطيات الحالية تجاوزت تلك المرحلة، وأصبحت القواعد التي تأسست عليها البعثة غير ملائمة لمواكبة التحولات التي عرفتها القضية.
وأكد أن استمرار العمل بالآليات القديمة، في ظل تغير الواقع السياسي والدبلوماسي، يستدعي مراجعة المقاربة المعتمدة، خاصة بعد تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، التي باتت تشكل، بحسب تعبيره، الإطار الأساسي للحل.
وفي هذا الإطار، أشار وزير الخارجية إلى أن طبيعة الدور الذي تضطلع به بعثة «المينورسو» أصبحت محل مراجعة، بالنظر إلى التحولات التي عرفها الملف، مؤكداً أن الأفق الذي يدافع عنه المغرب يقوم على مبادرة الحكم الذاتي في ظل السيادة الكاملة للمملكة.
المينورسو أمام مرحلة انتقالية جديدة
وبخصوص مستقبل البعثة الأممية، قال بوريطة إنه ابتداءً من منتصف ليلة 31 أكتوبر، لن تكون لـ«المينورسو» ولاية أو اختصاص وفق التصور السابق، مشيراً إلى انتهاء الصيغة العملية للعلاقة التي كانت تجمعها بالمغرب في مجال الإحاطة والإخبار.
وفي المقابل، شدد على أن المملكة لن تتعامل مع هذا التحول بمنطق التصعيد أو الطرد، موضحاً أن المغرب دولة مسؤولة، تساهم بقواتها العسكرية في عمليات حفظ السلام، وتحرص على احترام التزاماتها الدولية ومبادئ العمل متعدد الأطراف.
وأضاف أن الرباط ستتيح الوقت الكافي لإنهاء العملية في إطار من التعاون والاحترام، بما ينسجم مع التزاماتها الدولية وإيمانها بالحلول السلمية.
كما أوضح أن المرحلة المقبلة ستشهد تغييرات على مستوى الاجتماعات الدورية لمجلس الأمن المرتبطة بالملف، فضلاً عن طبيعة التقارير التي كانت تُعد في إطار الآلية السابقة، وذلك انسجاماً مع المستجدات التي فرضت إعادة النظر في طريقة تدبير القضية.
وفي ما يتعلق بالمسار السياسي، أكد بوريطة أن المغرب يرحب بالمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا، شريطة العمل وفق قواعد ومحددات المرحلة الجديدة، مشيراً إلى أن المملكة تحتفظ بحقها في اختيار المسار والإطار اللذين يخدمان مصالحها إذا لم تعد الصيغ المعتمدة كافية.
الجزائر تتحمل مسؤولية تعثر المسار
وعن التداعيات المحتملة للقرار الأممي، حمّل بوريطة الجزائر مسؤولية ما قد يترتب عن المرحلة المقبلة، سواء تعلق الأمر بمستقبل بعثة «المينورسو» أو توقف الاجتماعات الدورية أو تعثر المسار السياسي، مؤكداً أن الموقف المغربي يظل واضحاً وثابتاً في مختلف السيناريوهات.
وكشف أن الملك محمد السادس تابع تطورات الملف عن كثب، وأن بلاغ الديوان الملكي صدر مباشرة بعد اعتماد القرار، في إطار استعداد مسبق لمختلف الاحتمالات، مبرزاً أن التحركات المغربية استندت إلى قراءة واقعية لمواقف القوى الدولية، بما فيها الموقف الروسي.
وفي ما يخص اتفاق وقف إطلاق النار، أوضح وزير الخارجية أن وجود بعثة «المينورسو» لم يكن في حد ذاته ضمانة لمنع اندلاع التوترات، مشيراً إلى أن المغرب اتخذ قرار الالتزام بوقف إطلاق النار رغم المناوشات الصادرة عن الطرف الآخر.
واعتبر أن وجود 43 فرداً من عناصر البعثة لا يمكن أن يشكل ضمانة فعلية لحماية الوضع الميداني، مستحضراً إعلان الطرف الآخر، سنة 2022، عدم التزامه بقرار وقف إطلاق النار.
وختم بوريطة بالتأكيد على أن المغرب سيواصل التصرف كدولة مسؤولة، تحترم تعهداتها الدولية وتدافع عن مصالحها الوطنية، في ظل التحولات التي يشهدها ملف الصحراء المغربية، وما تفرضه من مراجعة للآليات والمقاربات التي حكمت تدبيره خلال العقود الماضية.





