القضاء المغربي في 2025.. تحسن في تصفية الملفات وتحديات متصاعدة أمام محكمة النقض

أظهرت المؤشرات الإحصائية لنشاط محاكم الموضوع بالمغرب خلال سنة 2025 تطورًا ملحوظًا في أداء المنظومة القضائية، تجسد في ارتفاع عدد القضايا المحكوم فيها مقارنة بالملفات المسجلة، وتراجع حجم القضايا المتراكمة، إلى جانب تقليص المدة الزمنية اللازمة لتصفية المخلف. غير أن هذه النتائج الإيجابية لم تشمل جميع مستويات التقاضي بالوتيرة نفسها، في ظل تزايد الضغط على محكمة النقض وارتفاع عدد الملفات المعروضة عليها.

وحسب تقرير المجلس الأعلى للسلطة القضائية برسم سنة 2025، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7547 مكرر، بلغت نسبة القضايا المحكوم فيها مقارنة بالمسجلة 101.8 في المائة، لتتجاوز المحاكم، للسنة الثالثة على التوالي، عتبة 100 في المائة، بما يعكس قدرتها على البت في عدد من الملفات يفوق حجم القضايا الجديدة الواردة عليها خلال السنة.

وسجلت المحاكم 4 ملايين و56 ألفًا و66 قضية جديدة، مقابل 4 ملايين و330 ألفًا و994 قضية سنة 2024، بانخفاض قدره 274 ألفًا و928 قضية. وفي المقابل، بلغ عدد القضايا المحكوم فيها 4 ملايين و117 ألفًا و592 قضية، وهو ما ساهم في تقليص حجم الملفات الرائجة والمخلف القضائي.

وفي هذا السياق، تراجع مجموع القضايا الرائجة بمقدار 418 ألفًا و169 قضية، ليستقر عند 4 ملايين و633 ألفًا و917 قضية، بينما انخفض عدد الملفات المخلفة بنسبة 12.42 في المائة، ليصل إلى 506 آلاف و74 قضية. كما ارتفعت نسبة القضايا المحكوم فيها من مجموع الرائج إلى 89.1 في المائة، وهي أعلى نسبة مسجلة خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025.

وامتد التحسن إلى المدة الزمنية اللازمة لتصفية القضايا المتبقية، إذ انخفضت إلى 45 يومًا خلال سنة 2025، مقابل 47 يومًا سنة 2024 و56 يومًا سنة 2023، في مؤشر على تطور وتيرة معالجة الملفات القضائية.

محاكم الدرجة الأولى تستحوذ على الحصة الأكبر من النشاط القضائي

على مستوى توزيع القضايا بين مختلف درجات التقاضي، واصلت محاكم الدرجة الأولى الاستئثار بالنصيب الأكبر من النشاط القضائي، بعدما استقبلت 3 ملايين و588 ألفًا و37 قضية، بما يمثل 88.46 في المائة من مجموع القضايا المسجلة، فيما بلغ عدد القضايا المحكوم فيها 3 ملايين و627 ألفًا و474 قضية، أي ما يعادل 88.10 في المائة من مجموع الأحكام الصادرة. كما بلغ رصيد القضايا الرائجة لديها 4 ملايين و23 ألفًا و564 قضية، بنسبة 87 في المائة من الإجمالي.

أما محاكم الدرجة الثانية، فقد سجلت 468 ألفًا و29 قضية، وأصدرت 490 ألفًا و118 حكمًا، فيما بلغ مجموع القضايا الرائجة لديها 610 آلاف و353 قضية.

وعلى مستوى المحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة، بلغ عدد القضايا المسجلة 3 ملايين و368 ألفًا و436 قضية، بنسبة 83 في المائة من مجموع الملفات الجديدة، بينما وصل عدد الأحكام الصادرة إلى 3 ملايين و403 آلاف و812 حكمًا، بما يمثل 82.7 في المائة. واستقر المخلف بهذه المحاكم عند 374 ألفًا و808 قضايا، أي ما يعادل 9.9 في المائة من مجموع الملفات الرائجة.

وفي محاكم الاستئناف ذات الولاية العامة، وصل عدد القضايا المسجلة إلى 436 ألفًا و453 قضية، مقابل 459 ألفًا و513 قضية محكومًا فيها، محققة نسبة تصفية بلغت 106.2 في المائة. ورغم هذه المردودية، بلغ عدد الملفات المخلفة 109 آلاف و80 قضية، بما يمثل 19.2 في المائة من مجموع القضايا الرائجة.

وسجلت محاكم الاستئناف التجارية بدورها أداءً لافتًا، بعدما بتت في 14 ألفًا و727 قضية من أصل 14 ألفًا و41 قضية مسجلة، محققة نسبة تصفية بلغت 106.6 في المائة، وهي الأعلى ضمن الفئات القضائية الواردة في التقرير. أما المحاكم الابتدائية التجارية، فقد بلغت نسبة القضايا المحكوم فيها من مجموع الملفات الرائجة لديها 92.8 في المائة.

وبخصوص القضاء الإداري، سجلت محاكم الاستئناف الإدارية 17 ألفًا و535 قضية جديدة، وأصدرت أحكامًا في 15 ألفًا و878 قضية. وفي المقابل، حققت المحاكم الابتدائية الإدارية أعلى نسبة للبت في القضايا الرائجة، بلغت 93.1 في المائة، متقدمة على المحاكم الابتدائية التجارية التي سجلت 92.8 في المائة، ثم المحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة بنسبة 90.1 في المائة.

تطور المؤشرات خلال خمس سنوات يعكس تحسن المردودية

وتبرز المقارنة بين سنتي 2021 و2025 تحسنًا تدريجيًا في عدد من مؤشرات الأداء القضائي، إذ ارتفعت نسبة القضايا المحكوم فيها من مجموع الرائج من 84.31 في المائة إلى 89.1 في المائة.

كما انخفض حجم المخلف القضائي بنسبة 33.8 في المائة مقارنة بسنة 2022، منتقلًا من 764 ألفًا و727 قضية إلى 506 آلاف و74 قضية سنة 2025، في تطور يعكس الجهود المبذولة للحد من تراكم الملفات وتسريع وتيرة البت فيها.

وتزامن هذا التحسن مع تعزيز الموارد البشرية، حيث ارتفع عدد القضاة من 3 آلاف و925 قاضيًا سنة 2022 إلى 4 آلاف و565 قاضيًا سنة 2025، بما يعكس توسع القاعدة البشرية المخصصة للعمل القضائي.

وعلى مستوى المردودية الفردية، سجل مستشارو محاكم الاستئناف ذات الولاية العامة ارتفاعًا في متوسط عدد الأحكام الصادرة لكل مستشار، من 407 أحكام سنة 2021 إلى 553 حكمًا سنة 2025، وهو ما يعكس تحسن الإنتاجية القضائية خلال الفترة المذكورة.

محكمة النقض أمام ارتفاع متواصل في عدد الطعون

في مقابل التحسن المسجل على مستوى محاكم الموضوع، واجهت محكمة النقض خلال سنة 2025 ضغطًا متزايدًا نتيجة الارتفاع الملحوظ في عدد القضايا الجديدة، رغم تسجيلها حصيلة مهمة من القرارات الصادرة.

فقد بلغ عدد الملفات المسجلة بالمحكمة 60 ألفًا و35 قضية، بزيادة قدرها 11 ألفًا و825 قضية مقارنة بالسنة السابقة، أي بنسبة ارتفاع بلغت 24.5 في المائة. وفي المقابل، أصدرت المحكمة 54 ألفًا و49 قرارًا، بزيادة 1,145 قرارًا عن سنة 2024.

غير أن ارتفاع عدد الملفات الواردة بوتيرة تفوق نمو الإنتاج القضائي انعكس على حجم القضايا الرائجة والمخلفة. فقد وصل مجموع الملفات الرائجة إلى 106 آلاف و584 قضية، فيما بلغ المخلف 52 ألفًا و535 قضية. كما ارتفعت المدة التقديرية اللازمة لتصفية هذا المخلف إلى 355 يومًا، مقابل 322 يومًا سنة 2024.

وتكشف هذه المؤشرات عن صعوبة مواكبة الزيادة المتسارعة في الطعون رغم تحسن عدد القرارات الصادرة، بما يضع محكمة النقض أمام تحدي تحقيق التوازن بين تدفق الملفات الجديدة والقدرة على معالجتها داخل آجال معقولة.

الغرفة الجنائية تتصدر نشاط المحكمة

وعلى مستوى توزيع القضايا بحسب الغرف، احتلت الغرفة الجنائية المرتبة الأولى من حيث حجم الملفات، بعدما سجلت 31 ألفًا و87 قضية جديدة، بنسبة 51.8 في المائة من مجموع القضايا المسجلة بالمحكمة، فيما بلغ عدد القضايا الرائجة لديها 47 ألفًا و31 قضية، أي ما يعادل 44.1 في المائة من الإجمالي. كما أصدرت الغرفة 26 ألفًا و415 قرارًا، بنسبة 48.9 في المائة من مجموع القرارات الصادرة.

وجاءت الغرفة الإدارية في المرتبة التالية، بتسجيلها 11 ألفًا و313 قضية جديدة، بنسبة 18.9 في المائة، فيما بلغ عدد الملفات الرائجة لديها 18 ألفًا و576 قضية، بما يمثل 17.4 في المائة من مجموع الرائج. وبلغ عدد القرارات الصادرة عنها 7 آلاف و512 قرارًا.

أما الغرفة العقارية، فقد وصل رصيد القضايا الرائجة لديها إلى 12 ألفًا و16 قضية، بنسبة 11.3 في المائة من الإجمالي، بينما أصدرت الغرفة المدنية 6 آلاف و556 قرارًا خلال السنة نفسها.

وفي ما يتعلق بطبيعة القرارات الصادرة عن محكمة النقض، أظهر التقرير أن قرارات رفض الطلب تصدرت القائمة بـ28 ألفًا و425 قرارًا، أي بنسبة 52.6 في المائة من مجموع القرارات. وبلغ عدد قرارات النقض 12 ألفًا و392 قرارًا، بنسبة 22.9 في المائة، فيما شكلت قرارات عدم القبول أو السقوط 19 في المائة من الإجمالي.

ارتفاع الإنتاج القضائي لا يلغي الحاجة إلى الحد من تراكم الطعون

وتؤكد المقارنة بين سنتي 2021 و2025 ارتفاع عدد القرارات الصادرة عن محكمة النقض من 45 ألفًا و304 قرارات إلى 54 ألفًا و49 قرارًا، بما يعكس تطور المردودية الإجمالية للمحكمة. غير أن هذا التحسن لم يمنع ارتفاع حجم المخلف بنسبة 15.1 في المائة مقارنة بسنة 2021، التي بلغ خلالها عدد القضايا المخلفة 45 ألفًا و644 قضية.

كما سجلت المردودية الفردية تحسنًا متفاوتًا بين الغرف، إذ ارتفعت بنسبة 32.9 في المائة بالغرفة الإدارية، و32.8 في المائة بالغرفة المدنية، و28.5 في المائة بالغرفة التجارية.

وتبرز هذه النتائج مفارقة أساسية في حصيلة القضاء خلال سنة 2025؛ فبينما نجحت محاكم الموضوع في تحسين معدلات تصفية القضايا وتقليص المخلف، ظلت محكمة النقض تواجه ضغطًا متناميًا بفعل ارتفاع عدد الطعون الواردة عليها.

وبذلك، فإن مواصلة تحسين أداء المنظومة القضائية لا تقتصر على زيادة عدد الأحكام والقرارات الصادرة، بل تستدعي أيضًا العمل على الحد من تراكم الملفات، وترشيد تدفق الطعون، وتعزيز الموارد البشرية والإمكانات المتاحة، بما يضمن تحقيق النجاعة القضائية وتسريع البت في القضايا دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى