صراعات الأغلبية تربك المجالس المنتخبة وتضع مشاريع التنمية على المحك

كشفت أشغال دورة أكتوبر، التي عقدتها مجموعة من المجالس الجماعية والجهوية، عن تصاعد الخلافات السياسية بين مكونات الأغلبية المسيرة، في تطور يثير تساؤلات بشأن قدرة هذه التحالفات على مواصلة تدبير الشأن المحلي خلال المرحلة المتبقية من الولاية الانتدابية الحالية. ولم تعد هذه الخلافات مقتصرة على اختلاف وجهات النظر حول بعض القرارات، بل امتدت إلى تبادل الاتهامات والتوترات العلنية، وصولاً إلى مقاطعة جلسات رسمية تسببت في تعذر انعقادها بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني.

وتبرز تداعيات هذا الوضع بشكل أكبر بالنظر إلى أهمية دورة أكتوبر، التي تشكل محطة أساسية لمناقشة الميزانيات السنوية والمصادقة عليها، فضلاً عن كونها تأتي في مرحلة دقيقة تسبق الانتخابات الجماعية المرتقبة سنة 2027. وهي فترة يفترض أن تنصب فيها جهود المجالس المنتخبة على استكمال المشاريع المبرمجة وتسريع تنفيذ الالتزامات التنموية، بدل الانشغال بصراعات داخلية قد تعطل مصالح المواطنين.

عرفت مجموعة من المجالس الجماعية والجهوية نقاشات متوترة خلال دورة أكتوبر، من بينها مجلس جهة سوس ماسة، ومجلس جماعة تارودانت، ومجلس جماعة الدار البيضاء، ومجلس جماعة فاس. واتخذت هذه الخلافات أشكالاً متعددة، تراوحت بين المواجهات الكلامية وتبادل الاتهامات بين الفرق السياسية، وصولاً إلى غياب عدد من المستشارين عن الجلسات، الأمر الذي حال دون انعقاد بعضها في موعدها المحدد.

وتكشف هذه التطورات عن هشاشة بعض التحالفات التي تشكلت عقب انتخابات سنة 2021، خصوصاً تلك التي جمعت أحزاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال. فقد تأسست هذه التحالفات، في عدد من الحالات، وفق اعتبارات سياسية مرتبطة بالتوازنات الوطنية، دون أن تستند بالضرورة إلى تصورات مشتركة وواضحة بشأن تدبير الشأن الترابي.

وفي هذا السياق، يرى متابعون للشأن السياسي أن التحولات التي عرفها المشهد الحزبي الوطني عقب اقتراع 23 شتنبر ساهمت في إعادة ترتيب حسابات المنتخبين محلياً، وأضعفت تماسك عدد من الأغلبيات التي كانت تستمد قوتها من طبيعة التحالفات القائمة على المستوى المركزي.

ويزداد هذا المعطى وضوحاً مع تسجيل غياب بعض المنتخبين المنتمين حتى إلى الحزب الذي ينتمي إليه رئيس المجلس، وهو ما يعكس اتساع دائرة الخلافات وتنامي الحسابات الانتخابية المبكرة، في ظل اقتراب نهاية الولاية الحالية.

لا يمكن تفسير جميع حالات تعثر المجالس المنتخبة من الزاوية الحزبية وحدها، إذ تطرح وضعية مجموعة الجماعات الترابية للتوزيع بالدار البيضاء نموذجاً يستدعي قراءة مختلفة.

وتضم هذه الهيئة 214 عضواً يمثلون أكثر من 150 جماعة ترابية، وقد أدى غياب نسبة كبيرة من أعضائها عن الاجتماع إلى تعذر انعقاده، ما أثار تساؤلات حول مستوى الانخراط في عمل مؤسسات التعاون بين الجماعات ومدى فعالية آليات التنسيق والتمثيلية داخلها.

ولا يعني هذا الغياب بالضرورة وجود اصطفافات سياسية مباشرة، بقدر ما يكشف عن صعوبات أعمق ترتبط بمدى التزام المنتخبين بمسؤولياتهم داخل هذه الهيئات، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات ذات أهمية بالغة بالنسبة إلى تدبير المرافق العمومية.

وتتضاعف أهمية هذه الإشكالية بالنظر إلى الملفات التي تنتظر الحسم، وفي مقدمتها عقود التدبير المفوض المرتبطة بالماء والكهرباء والتطهير، إلى جانب القضايا المالية والميزانية المرتبطة بسنة 2027. ومن شأن استمرار التعثر أن يؤثر في وتيرة اتخاذ القرارات الضرورية لضمان استمرارية هذه المرافق وتحسين خدماتها.

يرتبط جانب من التوتر الذي تشهده المجالس المنتخبة بالتغيرات التي طرأت على موازين القوى الحزبية، إذ إن تراجع موقع أحد مكونات التحالف قد يدفع شركاءه إلى مراجعة مواقفهم وإعادة تقييم كلفة استمرارهم في الارتباط به.

وفي هذا الإطار، يشكل تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار أحد العوامل التي قد تسرع تفكك بعض التحالفات المحلية، دون أن يكون السبب الوحيد وراء الأزمة. فالإشكال، وفق قراءة أكاديمية، يرتبط أساساً بطبيعة التحالفات التي نشأت استجابة للتوازنات الحكومية، أكثر من ارتباطها ببرامج محلية متوافق عليها بين مختلف الأطراف.

وعندما تتغير موازين القوى على المستوى الوطني، تجد هذه التحالفات نفسها أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على الاستمرار. كما يصبح الابتعاد عن الحصيلة التدبيرية للرؤساء، في بعض الحالات، وسيلة محتملة لتحسين المواقع الانتخابية للأحزاب المتحالفة معهم، بل وحتى لبعض المنتخبين المنتمين إلى أحزابهم.

ويعكس هذا الوضع إشكالية أوسع تتعلق بمدى استقلالية القرار المحلي عن التجاذبات السياسية الوطنية، ومدى قدرة المجالس على الحفاظ على استقرارها الداخلي بعيداً عن الحسابات المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

على الرغم من الخلافات التي تشهدها بعض المجالس، فإن تعثر الجلسات بسبب غياب المستشارين لا يعني بالضرورة توقف عمل المؤسسات بشكل نهائي، إذ تتيح القواعد القانونية المنظمة للجماعات الترابية آليات لعقد الاجتماعات وفق شروط محددة، حتى في حال تعذر توفر النصاب خلال الجلسات الأولى.

وبناءً على ذلك، يمكن أن تستمر إجراءات المصادقة على الميزانيات واتخاذ القرارات المالية وفق المساطر القانونية المعمول بها، مع إمكانية تدخل سلطات المراقبة المختصة في الحالات التي لا تتمكن فيها المجالس من الوفاء بالتزاماتها داخل الآجال المحددة.

غير أن احترام المساطر القانونية لا يكفي وحده لضمان تدبير محلي فعال، لأن جودة القرارات تظل مرتبطة بوجود نقاش مؤسساتي جاد، وتوافقات سياسية تسمح بتحديد الأولويات وتقييم المشاريع ومراقبة تنفيذها.

وفي حال استمرار التوترات، قد تجد بعض المجالس نفسها مضطرة إلى الاكتفاء بتدبير الملفات الأساسية، مع تأجيل المبادرات الجديدة أو تمرير القرارات في ظل نقاش محدود، وهو ما قد يؤثر في الحصيلة التنموية للولاية الحالية.

وتكتسي هذه المخاوف أهمية خاصة خلال السنة الأخيرة من تنفيذ برامج التنمية الجهوية للفترة 2022-2027، التي يفترض أن تشهد تسريع وتيرة الإنجاز وتقييم النتائج المحققة، وليس تعطيل المشاريع أو إرجاء القرارات المرتبطة بها.

من النتائج المحتملة لاستمرار الخلافات داخل المجالس المنتخبة تزايد حضور الإدارة الترابية في مواكبة تدبير الشأن المحلي، بالنظر إلى الأدوار القانونية التي تضطلع بها سلطات المراقبة والتأشير.

فكلما تعثرت المؤسسات المنتخبة في ممارسة اختصاصاتها أو تأخر اتخاذ القرارات الضرورية، برز دور السلطات المختصة في ضمان احترام القانون واستمرارية المرافق العمومية. غير أن اتساع هذا الدور، نتيجة ضعف التوافقات السياسية داخل المجالس، يطرح تساؤلات حول مدى قدرة المنتخبين على الاضطلاع بمسؤولياتهم في تدبير الشأن المحلي.

وفي المقابل، يظل الرؤساء في مواقعهم ما لم تتحقق الشروط القانونية اللازمة لتغيير وضعيتهم، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار حالة من الجمود السياسي داخل بعض المجالس، حيث تحتفظ الرئاسة بموقعها، بينما تتراجع قدرتها على بناء توافقات فعالة مع بقية المكونات.

ويحذر متابعون من أن تتحول الدورات المقبلة إلى فضاءات لتصفية الحسابات الحزبية وتوجيه الرسائل الانتخابية المبكرة، بدل أن تكون مناسبات لمناقشة البرامج والمشاريع والاستجابة لانتظارات المواطنين. وفي هذه الحالة، سيكون المواطن المتضرر الأول من تعطيل القرارات وتأخر إنجاز المشاريع وتراجع فعالية الخدمات المحلية.

تسلط الأزمة الحالية الضوء على الحاجة إلى إعادة النظر في أسس تشكيل التحالفات داخل المجالس الجماعية والجهوية، بما يجعلها قائمة على برامج ترابية واضحة، وأولويات تنموية مشتركة، وآليات عملية لتدبير الخلافات بين مكوناتها.

فنجاح الجهوية المتقدمة لا يرتبط فقط بتوزيع الاختصاصات بين المؤسسات، بل يتطلب أيضاً وجود نخب منتخبة قادرة على بناء توافقات مستقرة، واتخاذ قرارات مسؤولة، وربط العمل السياسي المحلي بمصالح السكان وانتظاراتهم.

كما أن استقلالية المجالس في تحديد أولوياتها تظل عاملاً أساسياً لضمان استمرارية المشاريع التنموية، بعيداً عن التقلبات التي قد يعرفها المشهد الحزبي الوطني. فربط التحالفات المحلية بموازين القوى المركزية يجعل استقرار المؤسسات الترابية رهيناً باعتبارات لا ترتبط دائماً بحاجيات المناطق أو متطلبات التنمية.

ومع اقتراب الانتخابات الجماعية لسنة 2027، تبدو المجالس المنتخبة أمام اختبار حقيقي يتمثل في قدرتها على تجاوز الخلافات الداخلية واستكمال البرامج المسطرة، أو الاستمرار في حالة من التجاذب التي قد تحول السنة الأخيرة من الولاية الانتدابية إلى مرحلة لتدبير الأزمات بدل تحقيق النتائج.

وبين ضرورات المنافسة السياسية ومتطلبات المسؤولية المؤسساتية، يبقى الرهان الأساسي هو حماية مصالح المواطنين وضمان استمرارية المرافق العمومية، حتى لا تتحول الخلافات الحزبية إلى عائق أمام التنمية المحلية والجهوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى