من خشب الصحراء إلى فضاء الإدماج.. حرفي بطانطان يحول التراث الحساني إلى فرصة للشباب

في قلب مدينة طانطان، وبين أجواء ورشة يغلب عليها إيقاع أدوات النجارة ورائحة الخشب، تتحول المواد الخام بين أنامل الصانع التقليدي ماء العينين فليل إلى قطع فنية تستلهم تفاصيلها من الذاكرة الحسانية وخصوصيات الحياة الصحراوية.

بهدوء وتركيز، يباشر الحرفي مراحل صناعة كل قطعة، بدءا من اختيار الخشب وتقطيعه، مرورا بصقله وتركيبه، وصولا إلى وضع اللمسات الأخيرة التي تمنح العمل شكله المميز. غير أن هذه الورشة لا تمثل بالنسبة إليه مجرد فضاء للإنتاج، بل أصبحت أيضا مجالا لتقاسم المعرفة والخبرة مع شباب في وضعية إعاقة، إيمانا منه بأن الحرفة يمكن أن تكون جسرا نحو الاستقلالية والاندماج في المجتمع وسوق الشغل.

ويعمل ماء العينين فليل على ابتكار قطع خشبية ذات طابع زخرفي، مستحضرا في تصاميمه مكونات من الثقافة الحسانية ومن الحياة التي عاشها الرحل في الأقاليم الجنوبية. ويحرص على إنجاز أعماله بشكل يدوي، مع إدخال لمسات عصرية تجعل المنتجات قادرة على الجمع بين أصالة التراث ومتطلبات الحياة الحديثة.

وتتنوع إبداعاته بين علب الشاي والساعات والألعاب التقليدية والقطع الزخرفية، إلى جانب مجسمات مستوحاة من الخيمة الحسانية وغيرها من العناصر التي تشكل جزءا من الذاكرة الثقافية الصحراوية.

ومن بين الأعمال التي تعكس هذا التوجه، علبة مخصصة لمستلزمات الشاي، استوحاها من الصناديق التي كان الرحل يعتمدون عليها خلال تنقلاتهم لحفظ الأدوات واللوازم المرتبطة بإعداد الشاي. وقد أعاد الحرفي تقديم هذا العنصر في قالب جديد يحافظ على دلالته التراثية ويمنحه وظيفة جمالية وعملية في الوقت نفسه.

كما أعاد إحياء لعبة “السيك” التقليدية من خلال تصميم خشبي قابل للحمل، يضم فضاء مخصصا لممارسة اللعبة، في محاولة للحفاظ على أحد أشكال الترفيه الشعبي القديم وإعادة تقديمه بما يتلاءم مع نمط الحياة المعاصر.

ومع مرور الوقت، تمكنت أعماله من الوصول إلى جمهور أوسع من خلال مشاركته في مختلف التظاهرات والمعارض والملتقيات التي تهتم بالصناعة التقليدية، سواء على المستوى الجهوي أو الوطني. كما استفاد من الوسائط الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي في التعريف بمنتجاته والتواصل مع الزبائن وتسويق إبداعاته خارج حدود ورشته.

لكن تجربة ماء العينين فليل تتجاوز حدود الإبداع الحرفي والتسويق للمنتجات، إذ اختار أن يجعل من خبرته وسيلة لمساعدة آخرين على اكتساب مهارات تمكنهم من الاعتماد على قدراتهم وبناء مسار مهني خاص بهم.

وبصفته مؤطرا في مجال التكوين المهني بمدينة طانطان، يواكب شبابا في وضعية إعاقة خلال تعلمهم مجموعة من المهارات المرتبطة بالديكور وفنون العمل بالخشب، ويساعدهم على اكتشاف قدراتهم وتطويرها في بيئة تكوينية ملائمة.

وتكتسي هذه المهمة أهمية خاصة بالنسبة للحرفي، الذي مر بدوره من تجربة التكوين قبل أن يعود إلى المركز نفسه مؤطرا. وهو مسار يعتبره فرصة لرد جزء من الجميل ونقل ما اكتسبه من معارف ومهارات إلى جيل جديد، مع منح المستفيدين الثقة في إمكاناتهم وقدرتهم على التعلم والإنتاج.

ويؤكد فليل أن الإعاقة لا ينبغي أن تكون عائقا أمام الإبداع أو الاستقلال المهني، موضحا أن العديد من الشباب يتوفرون على طاقات ومواهب قد لا تجد طريقها إلى الظهور إلا في ظل التكوين والمواكبة والتشجيع.

ومن هذا المنطلق، يولي أهمية كبيرة للتدريب العملي، باعتباره وسيلة لمساعدة المستفيدين على اكتساب مهارات قابلة للتوظيف، وتحويل ميولاتهم وقدراتهم إلى مشاريع وأنشطة يمكن أن تساهم في تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.

كما ساهمت برامج الدعم الاجتماعي في توفير عدد من التجهيزات والوسائل الضرورية للتكوين، وهو ما أتاح للمستفيدين الاستفادة من ظروف أفضل لتعلم تقنيات النجارة والديكور وتطوير قدراتهم التطبيقية.

وتكشف تجربة هذا الحرفي عن وجه آخر للصناعة التقليدية، لا يرتبط فقط بالحفاظ على الموروث الثقافي وإنتاج قطع فنية مستوحاة من الذاكرة المحلية، بل يمتد أيضا إلى نقل المهارات وفتح آفاق جديدة أمام الشباب.

فمن متعلم داخل ورشة التكوين إلى مؤطر يشارك خبرته مع الآخرين، اختار ماء العينين فليل أن يجعل من مساره المهني حلقة وصل بين جيلين، وأن يحول الحرفة من مجرد وسيلة للإنتاج إلى أداة للتمكين والإدماج.

وهكذا، تلتقي في تجربته ثلاثة أبعاد متكاملة: الحفاظ على عناصر من التراث الحساني، وتجديدها بأساليب فنية معاصرة، ثم توظيف المهارة الحرفية في خدمة الإدماج الاجتماعي والمهني. وهي معادلة تمنح للصناعة التقليدية دورا يتجاوز الجانب الاقتصادي، لتصبح فضاء لصون الذاكرة، واكتشاف المواهب، وبناء فرص جديدة أمام فئات تحتاج إلى مزيد من الدعم والثقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى