حمو.. من نجومية الملاعب إلى قسوة النسيان

من يتذكر اليوم اللاعب محمد مسرور، الشهير بلقب «حمو»؟ ومن يستحضر اسم ذلك اللاعب الذي كان حاضرا بقوة في ملاعب كرة القدم المغربية، قبل أن تطويه السنوات ويصبح واحدا من نجوم الأمس الذين لم ينالوا، بعد نهاية مشوارهم الرياضي، ما يستحقونه من التفاتة واعتراف؟

حمو ليس من أبناء منطقة البرنوصي، بل ينحدر من عين السبع، غير أن مسيرته الرياضية ارتبطت بشكل وثيق بنادي الرشاد البرنوصي، الذي حمل قميصه ودافع عن ألوانه، وكان أحد اللاعبين الذين ساهموا في كتابة صفحة مضيئة من تاريخ هذا الفريق. فقد كان ضمن الجيل الذي حقق للرشاد البرنوصي حلم الصعود إلى القسم الوطني الأول سنة 1991، في إنجاز تاريخي أدخل النادي مرحلة جديدة من مسيرته الرياضية.

لم يكن حمو لاعبا عاديا؛ فقد تميز بالندية وقوة البنية والقدرة على الاختراق والتهديف، إلى جانب مهاراته الفنية وتسديداته القوية. كما عرف بأخلاقه العالية وسلوكه الرياضي، ما جعله يحظى باحترام زملائه وجماهير الفرق التي لعب لها.

وبعد تألقه مع الرشاد البرنوصي، واصل حمو مسيرته مع عدد من الأندية، من بينها الفتح الرباطي والمغرب الفاسي والاتحاد الرياضي، كما خاض تجربة احترافية خارج المغرب مع نادي كاظمة الكويتي، وبلغ شرف حمل قميص المنتخب الوطني المغربي.

غير أن قصة حمو لم تنته كما بدأت. فبعد سنوات من التألق والعطاء في الملاعب، وجد اللاعب نفسه أمام واقع اجتماعي ومادي صعب. فالذي منح شبابه لكرة القدم، ودافع عن ألوان الرشاد البرنوصي، وانتقل إلى أندية أخرى، وحمل قميص المنتخب الوطني، وخاض تجربة احترافية خارج المغرب، لم يجد بعد نهاية مشواره ما يضمن له حياة كريمة ومستقرة.

والأصعب من ذلك أن حمو لا يواجه هذه الظروف بمفرده؛ فهو رب أسرة صغيرة، ويجد نفسه اليوم في مواجهة مسؤولية تأمين قوتها اليومي وتوفير أبسط متطلبات الحياة. وبعدما كانت الملاعب مصدر رزقه ومجاله للعطاء والتألق، أصبح همه الأساسي هو البحث عن مورد يساعده على إعالة أسرته ومواجهة أعباء الحياة اليومية.

وتجدر الإشارة إلى أن قضية محمد مسرور «حمو» ليست وليدة اليوم، فقد سبق لجريدة «منبر الحي» أن تطرقت إلى وضعيته سنة 2003، في أحد أعدادها، وسلطت الضوء على ظروفه الصعبة بعد نهاية مسيرته الرياضية. وهو ما يؤكد أن معاناة حمو ليست طارئة، بل تعود إلى سنوات طويلة، وأن ملفه ظل مطروحا دون أن يجد، إلى اليوم، حلا ينهي معاناته ويعيد إليه شيئا من الاستقرار والكرامة.

وبحسب ما ورد في ذلك المقال، فقد تدخل، في منتصف تسعينيات القرن الماضي، عامل عمالة سيدي البرنوصي آنذاك، السيد مشيشي، من أجل مساعدته، وأرفقه برسالة للتوظيف بجماعة أهل الغلام. غير أن هذه المبادرة لم تترجم إلى واقع، وظلت، بحسب الرواية المتداولة، حبيسة التسويف والمماطلة، لتنتهي الأمور دون أن يحصل اللاعب على فرصة العمل التي كان يأملها. وبعبارة شعبية تختصر المشهد: «دارت خاوية في عامرة».

ومنذ ذلك الوقت، أخذت وضعية حمو الاجتماعية في التراجع تدريجيا، ليجد نفسه، بعد سنوات من العطاء في الملاعب، أمام ظروف لا تليق بمسار لاعب قدم الكثير لكرة القدم المغربية.

وهنا لا بد من التذكير بأن حمو، وإن لم يكن من أبناء البرنوصي، فإنه ارتبط رياضيا بهذه المنطقة من خلال نادي الرشاد البرنوصي، الذي حمل قميصه ودافع عن ألوانه وساهم مع جيله في تحقيق إنجاز تاريخي بالصعود إلى القسم الوطني الأول.

ومن هذا المنطلق، فإن التفاتة عمالة مقاطعات سيدي البرنوصي إلى وضعية هذا اللاعب ستكون، في جانب منها، التفاتة إلى أحد الأسماء التي صنعت جزءا من تاريخ النادي الذي يمثل المنطقة.

ومن هذا المنبر، نتوجه بكل احترام إلى السيد نبيل خروبي، عامل عمالة مقاطعات سيدي البرنوصي، وإلى مختلف المسؤولين والفاعلين بالمنطقة، من أجل أخذ ملف محمد مسرور «حمو» بعين الاعتبار، ليس من باب الشفقة، وإنما من باب الاعتراف والإنصاف ورد الاعتبار.

ونأمل أن يحظى ملف هذا اللاعب بمتابعة فعلية إلى أن يتم إيجاد مخرج حقيقي لمشاكله المادية والاجتماعية. فالمطلوب ليس مجرد تنظيم حفل تكريم وتسليم درع أو شهادة تقديرية، ثم ينتهي كل شيء، وإنما مبادرة عملية ومستدامة تساعد حمو على استعادة قدر من الاستقرار، وتمكنه من إعالة أسرته في ظروف تحفظ له كرامته.

وقد يكون ذلك، في إطار ما يسمح به القانون والإمكانات المتاحة، من خلال مساعدته على الحصول على عمل شريف يتناسب مع وضعيته وقدراته، أو تمكينه، وفق المساطر القانونية، من الاستفادة من كشك أو مشروع مدر للدخل، أو أي مبادرة أخرى توفر له موردا قارا يساعده على مواجهة أعباء الحياة.

إن تكريم حمو مهم، لكنه لن يكون كافيا وحده. فالدرع التذكاري والصورة والتصفيق لحظات جميلة، لكنها لا تحل مشكلة إنسان يكافح يوميا من أجل تأمين احتياجات أسرته.

ما يحتاجه هذا اللاعب اليوم هو أن يشعر بأن سنوات عطائه لم تذهب سدى، وأن المجتمع الذي صنع فيه اسمه لم ينسه.

حمو لا يطلب امتيازا، ولا يبحث عن صدقة، وإنما يستحق فرصة حقيقية لحياة كريمة، تقديرا لمساره الرياضي والإنساني. فالرجل الذي دافع عن قميص الرشاد البرنوصي، وساهم في صعوده إلى القسم الوطني الأول، ولعب لأندية أخرى، وحمل قميص المنتخب المغربي، وخاض تجربة احترافية في الكويت، يستحق أن يجد من يقف إلى جانبه عندما يحتاج إلى الدعم.

إن قصة محمد مسرور «حمو» تتجاوز شخصه، لأنها تطرح قضية أوسع تتعلق باللاعبين القدامى الذين أعطوا شبابهم لكرة القدم، ثم وجد بعضهم نفسه، بعد الاعتزال، أمام واقع اجتماعي صعب. ومن هنا، فإن إنصاف حمو سيكون أيضا إنصافا لذاكرة الرشاد البرنوصي ولجيل من اللاعبين الذين صنعوا تاريخ هذا النادي.

لقد كان حمو من أبناء عين السبع، لكنه حمل قميص ناد يمثل البرنوصي، وأعطاه من موهبته وجهده الشيء الكثير. واليوم، ربما يكون الدور قد حان على المنطقة التي ارتبط اسمه بها رياضيا، وعلى المسؤولين والفاعلين فيها، لكي يردوا له شيئا مما أعطاه.

السيد العامل نبيل خروبي، نحن نثق فيكم، ونأمل أن تجد هذه الرسالة صداها لديكم، وأن تتم متابعة ملف محمد مسرور «حمو» إلى النهاية؛ لا من أجل تكريم لاعب سابق فحسب، وإنما من أجل مساعدة إنسان أفنى جزءا من حياته في خدمة الرياضة، ويجد نفسه اليوم أمام مسؤولية أسرة صغيرة يسعى كل يوم إلى تأمين قوتها، ويستحق أن يعيش ما تبقى من حياته بكرامة واستقرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى