ترحيل أسواق الجملة بالدار البيضاء.. مشروع لتنظيم التجارة أم تهديد لمصادر عيش البسطاء؟

تتجه جماعة الدار البيضاء إلى إعادة تنظيم منظومة أسواق الجملة، من خلال نقل أسواق الخضر والفواكه والدواجن والأسماك إلى مجمع تجاري كبير خارج المجال الحضري، في مشروع تقدر كلفته بنحو ملياري درهم. ويأتي هذا التوجه في إطار مساعي تخفيف الضغط المروري، وتحسين ظروف ممارسة التجارة، وإعادة هيكلة قنوات تسويق المنتجات الفلاحية والغذائية.

غير أن هذا المشروع يثير في المقابل مخاوف عدد من المهنيين والعاملين داخل الأسواق، خصوصا الفئات التي تعتمد على الأنشطة البسيطة والهامشية المرتبطة بهذه الفضاءات لتأمين قوتها اليومي. كما يطرح نقل الأسواق إلى مواقع بعيدة تساؤلات بشأن احتمال ارتفاع تكاليف النقل وانعكاسها على أسعار الخضر والفواكه وباقي المواد الغذائية.

وبالنسبة إلى عدد من العاملين في سوق الجملة للخضر والفواكه، لا يمثل السوق مجرد فضاء لتبادل السلع، بل يشكل منظومة اقتصادية متكاملة توفر فرصا للعديد من الأشخاص الذين لا يتوفرون على مصادر دخل ثابتة. ويقول مهنيون إن السوق أصبح، على مدى عقود، ملاذا لفئات اجتماعية هشة، من بينهم الأرامل وكبار السن وأشخاص يشتغلون في أعمال بسيطة، فضلا عن شباب الأحياء الشعبية المجاورة الذين يعتمدون على بيع كميات محدودة من الخضر والفواكه بالتقسيط لتأمين حاجيات أسرهم.

وتتمثل بعض هذه الأنشطة في جمع كميات صغيرة من المنتجات وإعادة بيعها بالقرب من السوق، وهي أعمال تحقق هامش ربح محدودا، لكنها تظل بالنسبة إلى عدد من الأسر موردا أساسيا للعيش. ويرى مهنيون أن نقل السوق إلى موقع بعيد قد يحرم هذه الفئات من مصدر دخلها، خصوصا أن أغلبها لا يملك الإمكانات المالية اللازمة لتحمل أعباء التنقل ونقل البضائع بصورة يومية.

ولا تقتصر المخاوف على الجانب الاجتماعي، إذ يخشى التجار من أن يؤدي نقل سوق الجملة إلى منطقة بعيدة عن الدار البيضاء إلى ارتفاع تكلفة وصول المنتجات إلى المدينة. ويشيرون إلى أن المسافة الجديدة ستفرض أعباء إضافية على التجار الصغار الذين يواجهون أصلاً صعوبات مالية كبيرة، خصوصا أن هوامش الربح في بعض الأنشطة محدودة للغاية.

كما يبرز التخوف من انتقال هذه الزيادة في التكاليف إلى المستهلك، إذ إن ارتفاع مصاريف نقل الخضر والفواكه من مناطق الإنتاج إلى سوق الجملة، ثم توزيعها على الأسواق ونقط البيع داخل المدينة، قد ينعكس على السعر النهائي للمنتجات. ويرى أصحاب هذا الرأي أن أي إعادة تنظيم للأسواق ينبغي أن تأخذ بعين الاعتبار سلسلة التكاليف بأكملها، حتى لا يتحول مشروع يرمي إلى تحسين التدبير وتنظيم التجارة إلى عامل إضافي في ارتفاع الأسعار.

وفي المقابل، يرى عدد من المهنيين أن معالجة الاختلالات التي يعرفها سوق الجملة لا تستوجب بالضرورة إغلاقه أو نقله إلى منطقة بعيدة، وإنما يمكن إعادة تأهيله وتحسين طرق تسييره وتدبيره. ويطالب هؤلاء بإجراء إصلاحات إدارية وتنظيمية، وتشديد المراقبة، والحد من مظاهر الفوضى، وتحسين ظروف العمل، معتبرين أن معالجة هذه الجوانب يمكن أن تجعل السوق أكثر تنظيما وفعالية دون الحاجة إلى ترحيله.

كما يدعون إلى فتح حوار موسع مع مختلف المتدخلين، بمن فيهم التجار والعمال والمهنيون الصغار، قبل اتخاذ أي قرار نهائي، بهدف الوقوف على الآثار الاجتماعية والاقتصادية للمشروع وضمان عدم تضرر الفئات التي تعتمد على السوق في كسب قوتها.

ويطرح مشروع نقل أسواق الجملة أيضاً سؤالا يتعلق بمستقبل الوعاء العقاري الذي تشغله الأسواق الحالية بعد إخلائها، إذ يرى بعض المهنيين أن توضيح مآل هذه العقارات ينبغي أن يكون جزءاً من النقاش العمومي حول المشروع، بالنظر إلى القيمة العقارية المهمة للمواقع التي توجد فيها بعض الأسواق داخل النسيج الحضري للدار البيضاء.

وبينما تراهن السلطات على مشروع جديد لتجميع وتنظيم أسواق الجملة وتحسين مردوديتها، يصر المهنيون المتخوفون من عملية الترحيل على ضرورة وضع البعد الاجتماعي في صلب أي قرار. فنجاح إعادة هيكلة أسواق الجملة لا يقاس فقط بمدى تحسين حركة السير وتنظيم التجارة، وإنما أيضا بقدرته على حماية مصالح الفئات التي ارتبطت بهذه الأسواق لعقود، وضمان استمرار نشاطها في ظروف أفضل.

وفي انتظار اتضاح تفاصيل المشروع وآليات تنفيذه، يبقى التحدي الأساسي هو تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين تحديث منظومة أسواق الجملة وتحسين تدبيرها من جهة، والحفاظ على مصادر رزق الفئات الهشة وعدم تحميل المستهلك أعباء إضافية من جهة أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى