قطاع تعليم السياقة بين الأمس واليوم… من امتياز المهنة إلى نزيف المنافسة

بقلم: دحان بوبرد

في الوقت الراهن، لم تعد المنافسة بين مؤسسات تعليم السياقة تقوم دائما على جودة التكوين، أو خبرة المدرب، أو جودة الخدمات المقدمة للمترشح، بل أصبحنا نشاهد، في بعض الحالات، منافسة قائمة على خفض الأسعار إلى مستويات متدنية.

والمشكل أن خفض السعر لا يأتي من فراغ.

فالمهني اليوم أمام مجموعة من الالتزامات والمصاريف، من أجور وكراء ومركبات ووقود وتأمين وصيانة وضرائب، إضافة إلى الالتزامات تجاه المؤسسات المالية، وغيرها من المصاريف التي لا تتوقف.

وأمام وفرة العرض وتراجع حصة كل مؤسسة من المترشحين، يجد بعض المهنيين أنفسهم مضطرين إلى خفض الأسعار من أجل استقطاب المترشح، وأحيانا من أجل سد بعض الثغرات في التزاماتهم المالية.

وهنا تبدأ الحلقة الخطيرة: عرض أكبر من الطلب، ومنافسة أشد، وتخفيض للأسعار، وتراجع في الموارد، وضغط على المصاريف، وتأثير محتمل على جودة التكوين.

وبالتالي، فإن الخاسر في النهاية قد لا يكون المهني وحده، بل قد يكون أيضا المترشح والسلامة الطرقية، لأن تعليم السياقة ليس سلعة عادية يمكن اختصارها في السعر.

ومن هنا نفهم لماذا أصبح وقف نزيف فتح المؤسسات مطلبا يتردد اليوم بقوة داخل القطاع.

فالمسألة ليست رفضا لحق أي شخص تتوفر فيه الشروط القانونية في الولوج إلى المهنة، وليست دعوة إلى العودة إلى زمن كانت فيه مؤسسة تعليم السياقة امتيازا محصورا على فئة معينة.

بل المطلوب هو أن نسأل: هل السوق اليوم قادر على استيعاب المزيد من المؤسسات؟

وإذا كان عدد المؤسسات قد تجاوز قدرة السوق على استيعابها، فهل من الحكمة الاستمرار في فتح مؤسسات جديدة دون دراسة حقيقية لحاجيات كل مدينة وإقليم؟

إن تنظيم الولوج إلى المهنة لا يعني إغلاق الباب أمام الكفاءات، وإنما يعني ربط فتح المؤسسات بحاجيات السوق، وتوزيعها بشكل متوازن، وضمان شروط منافسة نزيهة تحفظ للمؤسسة استمراريتها، وللمهني كرامته، وللمترشح حقه في تكوين جيد.

لقد انتقلنا من زمن كان فيه الطلب أكبر من العرض، وكانت المؤسسة تبحث عن المترشح بسهولة، إلى زمن أصبح فيه العرض أكبر من الطلب، وأصبح المهني يبحث عن المترشح وسط منافسة شرسة.

وهنا يجب أن ننتبه: إذا كانت المنافسة تخفض الأسعار دون أن تخفض تكاليف المهنة، فمن سيدفع الفرق؟

غالبا سيدفعه المهني من مداخيله، أو يدفعه التكوين من جودته، وفي الحالتين نحن أمام مشكلة تستوجب المعالجة.

لذلك، فإن النقاش الحقيقي اليوم ليس: هل نفتح المزيد من المؤسسات أم لا؟ بل: كم مؤسسة يستطيع السوق أن يستوعب؟ وأين؟ وبأي شروط؟ وكيف نضمن منافسة شريفة لا تقوم على حرق الأسعار؟

القطاع لا يريد العودة إلى زمن الامتيازات، لكنه كذلك لا يريد أن يتحول الانفتاح إلى نزيف مستمر يهدد استقرار المؤسسات، ومداخيل المهنيين، وجودة التكوين.

فتح الباب أمام المهنة كان خطوة في اتجاه تكافؤ الفرص… أما اليوم، فقد أصبح تنظيم السوق ضرورة لحماية المهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى