سبتة المحتلة.. دعوات لحماية الصحافة ووقف استغلال المآسي الإنسانية

أعادت الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة إلى الواجهة جملة من الإشكالات المرتبطة بحرية الصحافة، والمسؤولية المهنية في تغطية الأزمات، خاصة في ظل التوترات الميدانية والتداعيات الإنسانية والإعلامية التي رافقت هذه الأحداث.
وفي هذا السياق، برزت انتقادات واسعة للممارسات التي رافقت التغطية الإعلامية، لاسيما بعد تعرض طاقم صحفي تابع للقناة الثانية لمضايقات حالت دون تمكينه من ممارسة مهامه المهنية، وهو ما أثار تساؤلات بشأن احترام حرية العمل الصحفي وحق الإعلاميين في الوصول إلى أماكن الأحداث ونقلها للرأي العام بمهنية واستقلالية.
كما شكلت الأوضاع الإنسانية الناتجة عن هذه الأحداث مصدر قلق بالغ، في ظل سقوط ضحايا، الأمر الذي يستوجب استحضار البعد الإنساني واحترام مشاعر أسر الضحايا، بعيدا عن التوظيف الإعلامي أو السياسي للمآسي. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التعامل مع الضحايا وذويهم بكل ما يقتضيه المقام من احترام وتعاطف، وتجنب نشر ما قد يزيد من معاناتهم أو يمس بكرامتهم.
وبالتوازي مع ذلك، أثارت طريقة تعامل بعض المنابر الإعلامية والمنصات الرقمية مع الأحداث انتقادات بسبب ما اعتبر تجاوزا لعدد من القواعد الأساسية للعمل الصحفي، خصوصا ما يتعلق بالتثبت من المعلومات واحترام خصوصية الأشخاص وعدم تحويل الأزمات الإنسانية إلى مادة لجذب المشاهدات والتفاعلات.
ومن بين أبرز المظاهر التي رافقت هذه التغطيات، تداول صور ومقاطع فيديو قديمة أو مبتورة من سياقها، وتقديمها على أنها مرتبطة بالأحداث الجارية، إلى جانب نشر معطيات غير مؤكدة دون إخضاعها للتحقق اللازم قبل تداولها. ومثل هذه الممارسات من شأنها أن تزيد من حالة الارتباك، وتفتح المجال أمام الإشاعات والمعلومات المضللة، خصوصا خلال الأزمات التي يكون فيها الجمهور أكثر حاجة إلى الأخبار الدقيقة والموثوقة.
ويعد التعامل مع القاصرين من أكثر الجوانب حساسية في مثل هذه الظروف، إذ إن تصوير الأطفال ونشر صورهم بشكل واضح، أو استجوابهم في لحظات الخوف والاضطراب، يطرح إشكالات أخلاقية وقانونية كبيرة. فحماية الطفل تقتضي عدم تعريضه للاستغلال الإعلامي أو التشهير، كما تفرض مراعاة حالته النفسية وخصوصيته، وعدم تحويل معاناته إلى وسيلة لتحقيق الانتشار الرقمي.
كذلك، أثارت بعض التغطيات انتقادات بسبب اعتماد عناوين مثيرة ومبالغ فيها، والتركيز على المحتوى القادر على تحقيق أكبر قدر من المشاهدات والتفاعل، بدل الالتزام بالموضوعية والدقة. ويشكل هذا النهج خطرا على الممارسة الصحفية، لأنه يحول المنافسة الإعلامية من البحث عن الحقيقة وخدمة الجمهور إلى سباق وراء الأرقام والتفاعل الافتراضي.
ولا يقل خطورة عن ذلك نشر مشاهد أو تفاصيل صادمة تمس بكرامة الأشخاص وخصوصيتهم، خصوصا عندما يتعلق الأمر بضحايا أو أشخاص يعيشون أوضاعا إنسانية صعبة. فالمهنة الصحفية لا تمنح الحق في عرض المعاناة الإنسانية بأي شكل من الأشكال، بل تفرض على الصحفي والمؤسسة الإعلامية تحقيق التوازن بين حق الجمهور في المعرفة وضرورة حماية كرامة الأفراد.
كما أن انتشار خطابات التحريض والكراهية عبر بعض المنصات الرقمية يضاعف من خطورة الوضع، خاصة عندما يتم استغلال الأحداث المشحونة لتأجيج التوترات أو نشر خطاب يقوم على التعميم والعداء. وفي مثل هذه الحالات، تصبح المسؤولية الإعلامية أكثر أهمية، لأن الكلمة والصورة يمكن أن تسهما في تهدئة الأوضاع أو، على العكس، في تعميق الانقسام وتأجيج المشاعر.
وفي المقابل، فإن التضييق على الصحفيين ومنعهم من الوصول إلى أماكن الأحداث يظل مسألة مقلقة، لأن حرية الصحافة لا يمكن فصلها عن قدرة الإعلاميين على جمع المعلومات من مصادرها المباشرة ونقل الوقائع إلى الجمهور باستقلالية. كما أن حجب المعلومة أو عرقلة عمل الصحفيين قد يفتح المجال أمام الأخبار غير الدقيقة والشائعات، بدل الحد منها.
وتفرض هذه التطورات، في نهاية المطاف، ضرورة التشبث بالمبادئ الأساسية للممارسة الصحفية، وفي مقدمتها الدقة، والتحقق من المعلومات، والاستقلالية، واحترام الخصوصية، وصون كرامة الإنسان، وحماية الأطفال والفئات الهشة، والابتعاد عن خطاب الكراهية والتحريض.
كما تبرز الحاجة إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الإعلامية والهيئات المهنية والتنظيمية من أجل مواجهة التضليل الإعلامي، وترسيخ ثقافة التحقق من الأخبار، وضمان وصول الصحفيين إلى المعلومات في الوقت المناسب، بما يسمح للرأي العام بالحصول على معطيات موثوقة بدل ترك المجال مفتوحًا أمام الإشاعات والمحتويات المفبركة.
وتبقى تغطية الأزمات والاضطرابات اختبارا حقيقيًا لمهنية وسائل الإعلام، إذ لا تقاس جودة الصحافة بعدد المشاهدات أو سرعة نشر الخبر، وإنما بمدى قدرتها على تقديم الحقيقة بمسؤولية، واحترام الإنسان في أكثر لحظاته ضعفا، والحفاظ على ثقة الجمهور في الإعلام باعتباره وسيلة للإخبار والتنوير، لا أداة للإثارة أو المتاجرة بالمآسي.





