سيدي البرنوصي وسيدي مومن.. الحشود لا تجيب عن سؤال: ماذا فعلتم؟

يبدو أن سيدي البرنوصي وسيدي مومن دخلتا هذه الأيام موسما انتخابيا استثنائيا، موسما تتحول فيه الأزقة إلى مسارح مفتوحة، والهواتف المحمولة إلى منابر انتخابية، والسيارات إلى وسائل نقل تكاد تختفي فجأة من المشهد، بعدما اكتشف بعض المرشحين، على ما يبدو، أن المشي بين المواطنين قد يكون أكثر فائدة انتخابية من الجلوس في المقاعد الخلفية للسيارات الفاخرة.
أما مواقع التواصل الاجتماعي فقد تكفلت بالباقي، فتحولت إلى ما يشبه غرفة عمليات انتخابية مفتوحة على مدار الساعة: هذا يقول «مع»، وذاك يرد «ضد»، وهذا ينشر صور الحشود، وذاك يرد بحشود أكبر، وكأن الانتخابات تحولت إلى بطولة في عدد الرؤوس الظاهرة في الصورة، لا إلى مناسبة لاختيار من سيمثل المواطنين ويدافع عن قضاياهم.
وفي خضم هذا المشهد، يبدو أن السؤال القديم: «ماذا فعلتم خلال الولاية السابقة؟» بدأ يتراجع أمام سؤال أكثر حداثة: «كم شخصا ظهر معكم في الفيديو؟». أما عدد المشاهدات والإعجابات والمشاركات، فقد أصبح عند البعض أقرب إلى استطلاع رأي غير معلن، رغم أن الخوارزميات لا تمنح شهادة برلمانية، ولا تحول زر «الإعجاب» إلى ورقة تصويت، ولا تضمن أصلا أن صاحب التعليق أو المشاهدة يوجد داخل الدائرة الانتخابية.
الحملة الانتخابية في سيدي البرنوصي وسيدي مومن لا تبدو مجرد منافسة بين مرشحين وبرامج، بل تحولت أيضا إلى منافسة على الصورة والانطباع والحضور الميداني. كل فريق يريد أن يثبت أنه صاحب الكلمة الأعلى والحشد الأكبر والحضور الأقوى. وكل جولة تتحول إلى ألبوم صور، وكل تجمع إلى فيديو، وكل صورة إلى مادة للتعليق والتحليل، ثم تبدأ حرب التأويلات: هذا جمع الناس، وذاك جمع أكثر؛ هذا الحي مع فلان، وذاك الحي ضد علان؛ وهذا المرشح «اكتسح» المنطقة، فيما ينتظر الجميع يوم الاقتراع ليكتشفوا أن صناديق الاقتراع لا تعرف شيئا عن عدد الصور المنشورة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو التحول المفاجئ في بعض الصور الانتخابية. هناك من كان يرى، في زمن غير بعيد، بملابس أنيقة وسيارة فاخرة، فإذا به اليوم يكتشف فضيلة المشي، فيجوب الأزقة راجلا، يصافح هذا، ويحيي ذاك، ويتوقف هنا وهناك لالتقاط صورة مع المواطنين.
ومن حق المرشح طبعا أن يمشي، بل إن المشي مفيد للصحة وللحملة الانتخابية معا. لكن المواطن قد يتساءل، بشيء من الدعابة: هل اكتشف المرشح الشارع الآن فقط لأن الانتخابات اقتربت، أم أن فضيلة المشي ستستمر أيضا بعد انتهاء الحملة وإغلاق صناديق الاقتراع؟
السؤال، في الحقيقة، ليس عن السيارة ولا عن البدلة ولا عن الحذاء الذي قطع مسافات طويلة في الأزقة، وإنما عن معنى هذا القرب من المواطن. فالمطلوب ليس أن يظهر المرشح قريبا من الناس خلال أسابيع الحملة فقط، بل أن يكون حاضرا في قضاياهم، وأن يظل قابلا للمساءلة بعد انتهاء الموسم الانتخابي.
المواطن لا يحتاج إلى مرشح يعرف عنوان منزله أثناء الحملة ثم ينسى عنوان الحي بعد ظهور النتائج. إنه يحتاج إلى ممثل يمكنه أن يسأله ببساطة: ماذا فعلت؟ ماذا قدمت؟ ماذا حاولت أن تحقق؟ وما الذي تعذر عليك تحقيقه، ولماذا؟
وهنا تصبح الحصيلة أكثر أهمية من الحشد. فالدائرة الانتخابية لا تعاني من نقص في الصور، ولا من ندرة في مقاطع الفيديو، ولا من قلة في الشعارات. ما تحتاجه هو وضوح في الحساب. ومن حق الناخب، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمرشح يسعى إلى ولاية ثانية، أن يطلب كشفا سياسيا واضحا عن الولاية الأولى: ما المبادرات التي قام بها؟ ما الملفات التي دافع عنها؟ ما الأسئلة الكتابية والشفوية التي تقدم بها؟ ما القضايا المحلية التي أثارها؟ وما الوعود التي تحققت فعلا، وما الوعود التي بقيت معلقة؟
هذه الأسئلة لا تعني مهاجمة أي مرشح، بل تعني ببساطة أن الولاية الثانية لا ينبغي أن تكون امتدادا آليا للأولى. فإذا كان المرشح يطلب من الناخب تجديد الثقة، فمن الطبيعي أن يشرح له أولا كيف استعمل الثقة التي حصل عليها سابقا. أما الاكتفاء بصور جديدة وعبارات جديدة، مع ترك الحصيلة القديمة في الأدراج، فقد يجعل المواطن يتساءل: هل يطلب منه التصويت على المستقبل، أم التصويت على نسيان الماضي؟
وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى الحجم الديمغرافي لعمالة مقاطعات سيدي البرنوصي، التي تضم مقاطعتي سيدي مومن وسيدي البرنوصي. وبحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، بلغ عدد سكان العمالة 706,362 نسمة، من بينهم 551,443 نسمة في مقاطعة سيدي مومن و154,919 نسمة في مقاطعة سيدي البرنوصي. وهذه الأرقام وحدها تكفي لإبراز حجم المسؤولية، لأننا لا نتحدث عن منطقة يمكن اختزال مشاكلها في لقاء انتخابي أو صورة جماعية.
إنها منطقة لها أسئلتها اليومية الثقيلة: الشغل، والنقل، والصحة، والتعليم، والسكن، والنظافة، والبيئة، والفضاءات الرياضية والثقافية، والأسواق، والملك العمومي، والبنيات التحتية، فضلا عن الملفات المرتبطة بإعادة الإسكان وترحيل سكان بعض التجمعات السكنية. وهذه كلها قضايا لا تحلها صورة انتخابية مهما كانت جميلة، ولا يعالجها عدد كبير من الإعجابات مهما ارتفع.
وفي انتخابات 2021، أفرزت دائرة سيدي البرنوصي ثلاثة مقاعد بمجلس النواب. وحصل عبد الرحيم أوطاس، عن التجمع الوطني للأحرار، على 11,209 أصوات، يليه أحمد ابريجة، عن الأصالة والمعاصرة، بـ6,625 صوتاً، ثم هشام الحيد، عن حزب الاستقلال، بـ3,698 صوتاً، وفق النتائج المنشورة آنذاك.
ومع عودة عدد من الوجوه نفسها إلى السباق، يصبح من الطبيعي أن يتوجه النقاش إلى الماضي القريب، لا بهدف تصفية الحسابات، وإنما من أجل المقارنة بين ما قيل قبل الولاية السابقة وما تحقق خلالها.
فالنائب البرلماني ليس رئيس جماعة، ولا رئيس مقاطعة، ولا وزيرا، ولا يستطيع، بطبيعة الحال، أن ينسب إلى نفسه كل مشروع أنجز في الدائرة، كما لا يمكن تحميله مسؤولية كل مشكلة تعاني منها المنطقة. لكن للبرلماني، في المقابل، أدوار دستورية ومؤسساتية واضحة، من التشريع إلى مراقبة العمل الحكومي، وطرح الأسئلة، والدفاع عن القضايا التي يعتبرها ذات أولوية.
ومن هنا يمكن للناخب أن يسأل عن كيفية استعمال هذه الأدوات، بعيدا عن المبالغة في نسبة الإنجازات أو الإخفاقات إلى شخص واحد. فالحديث عن الحصيلة لا يعني مطالبة البرلماني بما ليس من اختصاصه، وإنما يعني مساءلته عما يدخل فعلا ضمن أدواره ومسؤولياته.
المفارقة أن هذا النقاش يبدو أحيانا أقل حضورا من سؤال «من مع من؟». فقد تحولت صفحات ومجموعات التواصل الاجتماعي إلى فضاء للمناوشات السياسية، حيث تكفي صورة واحدة لمرشح حتى تبدأ التعليقات المؤيدة والمناهضة، ثم يأتي الرد بصورة أخرى، ثم الرد على الرد، إلى أن يصبح المواطن أمام مباراة رقمية لا يعرف في نهايتها: هل يتابع حملة انتخابية أم بطولة مفتوحة في فن التعليق والرد؟
لكن الانتخابات ليست مسابقة في سرعة الرد على «فيسبوك»، ولا في عدد الأشخاص الذين يستطيع كل طرف جمعهم أمام عدسة الهاتف. الحشود قد تعكس قدرة تنظيمية وحضورا اجتماعيا، لكنها لا تعطي وحدها نتيجة انتخابية. فقد يحضر المواطن تجمعا ولا يصوت للمرشح، وقد يشارك في صورة جماعية بدافع اجتماعي، وقد يشاهد فيديو من خارج الدائرة أصلا.
لذلك فإن تحويل عدد المتابعين أو المشاهدات أو المشاركين في تجمع إلى توقع للنتائج يظل، في حد ذاته، أمرا لا يستند إلى معيار انتخابي علمي. ومن السهل أن تلتقط الكاميرا زاوية ممتلئة، وأن يختار فريق صورة تظهر أكبر عدد ممكن من الأشخاص، وأن يرد المنافس بصورة أخرى. وفي النهاية، قد يتحول السؤال من «ماذا ستفعلون؟» إلى «من لديه الصورة الأكبر؟».
ومع دخول الإنفاق الرقمي بشكل أوضح ضمن تنظيم الحملات الانتخابية، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءا حقيقيا من المعركة الانتخابية الحديثة. فالانتخابات لم تعد تخاض فقط بالملصق والمنصة ومكبر الصوت، بل أيضا بالكاميرا والهاتف والإعلان الممول وصناعة المحتوى.
وهذا يضع الناخب أمام مهمة دقيقة: أن يميز بين الحضور الحقيقي والدعاية، وبين البرنامج والصورة، وبين الحصيلة والشعار، وبين الالتزام المستمر والحضور الموسمي. وهي مهمة تصبح أكثر صعوبة عندما تتداخل الحسابات الحزبية مع العلاقات الاجتماعية، وتتحول بعض النقاشات الرقمية إلى معسكرات متقابلة: «معنا» و«ضدنا».
لكن الناخب ليس مضطرا إلى الانضمام إلى أي معسكر. يستطيع أن يسأل الجميع الأسئلة نفسها، وأن يطلب من الجميع الأجوبة نفسها، وأن يقارن بين الوعود والحصائل والبرامج، بعيدا عن الضجيج الذي تخلقه مواقع التواصل الاجتماعي.
في نهاية المطاف، يمكن للمرشح أن يمشي أطول مسافة في الحي، وأن يلتقط أكبر عدد من الصور، وأن يجمع أكبر عدد من الأنصار في تجمع انتخابي، وأن يحصل على آلاف الإعجابات. ويمكن لمنافسه أن يفعل الشيء نفسه، وربما أكثر.
لكن كل ذلك يتغير عندما يبدأ الاقتراع.
فالسيارة الفاخرة يمكن أن تعود إلى المرآب، والبدلة الأنيقة إلى الخزانة، والحشود إلى بيوتها، واللافتات إلى المستودعات، وفيديوهات الحملة إلى أرشيف الهواتف.
أما المواطن، فيبقى في الحي نفسه، وتبقى أمامه المشاكل نفسها، ويبقى قادرا على طرح السؤال الذي قد يكون أكثر إزعاجا من كل أسئلة الحملة: ماذا فعلتم عندما كانت لديكم الولاية؟
وربما يكون هذا هو الاختبار الحقيقي في سيدي البرنوصي وسيدي مومن: ليس من استطاع أن يجعل الشارع أكثر ازدحاما، ولا من جعل صفحته أكثر صخبا، ولا من اضطرته الحملة إلى استبدال السيارة بالمشي، وإنما من استطاع أن يقدم للناخب شيئا بسيطا لكنه ثمين: حصيلة واضحة، وبرنامجا قابلا للفهم، والتزاما يمكن مساءلته عنه بعد أن تنتهي الموسيقى وتختفي الكاميرات.
ففي الانتخابات، كما في الحياة، ليس المهم فقط أن يعرف الناس أنك مررت من هنا، بل أن يعرفوا أيضاً لماذا مررت، وماذا تركت وراءك، وماذا تنوي أن تفعل إذا عدت مرة أخرى.





