في سيدي البرنوصي.. الغناء له نصيب والثقافة لها رب كريم!

يبدو أن الثقافة في مقاطعة سيدي البرنوصي أصبحت، في نظر عدد من الفاعلين والمهتمين بالشأن الثقافي المحلي، ضيفا ثقيلا لا يحظى بما يكفي من الاهتمام، في الوقت الذي يحتل فيه الغناء وتنظيم السهرات الفنية حيزا مهما من البرامج والأنشطة الموجهة إلى ساكنة المنطقة.
هذا الوضع دفع عددا من المثقفين والفاعلين في المجال الثقافي إلى التعبير عن استيائهم مما يعتبرونه تراجعا في الاهتمام بالشأن الثقافي، مقارنة بما كانت تعرفه المنطقة خلال فترات سابقة من أنشطة متنوعة، شملت الأمسيات الشعرية والزجلية، وتوقيع الكتب، واللقاءات الأدبية والفكرية، إلى جانب عدد من المبادرات التي كانت تمنح للمثقف والمبدع المحلي مساحة للحضور والتعبير.
ولا يتعلق الأمر هنا برفض تنظيم الحفلات الغنائية أو التظاهرات الفنية، فالغناء والموسيقى جزء لا يتجزأ من المشهد الثقافي، ومن حق سكان سيدي البرنوصي الاستفادة من أنشطة ترفيهية وفنية تستجيب لذوق مختلف الفئات العمرية والاجتماعية. غير أن الإشكال، كما يطرحه عدد من الفاعلين، يكمن في غياب التوازن بين مختلف مكونات الثقافة والفن، وفي تحول الحفلات الغنائية إلى النشاط الأكثر حضورا، مقابل تراجع الأنشطة المرتبطة بالكتاب والشعر والزجل والفكر والإبداع.
وتطرح هذه الوضعية أكثر من علامة استفهام حول موقع الثقافة ضمن أولويات التدبير المحلي، خصوصا أن مقاطعة سيدي البرنوصي تتوفر على طاقات بشرية وإبداعية مهمة، وعلى عدد من المثقفين والكتاب والشعراء والزجالين والفنانين الذين ساهموا، كل من موقعه، في إثراء المشهد الثقافي بالمنطقة وخارجها.
كما أن المقاطعة تتوفر على مرافق ثقافية، من بينها المركب الثقافي حسن الصقلي، وهي فضاءات يفترض أن تشكل منصات حقيقية للاحتضان الثقافي، واحتضان المبادرات الأدبية والفنية، وتنظيم اللقاءات والندوات والأمسيات التي تتيح للمبدعين المحليين التواصل مع جمهورهم.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تحظى الثقافة بالفعل بالنصيب الذي تستحقه من البرامج والاعتمادات؟ وإذا كانت ميزانيات مهمة ترصد لتنظيم المهرجانات والسهرات الغنائية، فأين هي البرامج الثقافية الموازية؟ وأين هي أمسيات الشعر والزجل؟ وأين معارض الكتب واللقاءات الأدبية وتوقيعات المؤلفات والورشات الموجهة إلى الأطفال والشباب؟


إن الحديث عن المال العام يجعل هذه الأسئلة أكثر إلحاحا، لأن الرأي العام المحلي من حقه أن يعرف كيف توزع الاعتمادات المخصصة للتظاهرات والأنشطة، وما هي الكلفة الإجمالية للمهرجانات الغنائية، وما هي الاعتمادات التي تخصص بالمقابل للأنشطة الثقافية بمختلف أشكالها.
وليس المقصود من ذلك وضع الغناء في مواجهة الثقافة، وإنما الدعوة إلى تحقيق نوع من التوازن في السياسة الثقافية المحلية. فالمهرجان الذي يستقطب آلاف المواطنين في سهرة فنية يمكن أن يكون مناسبة أيضا لفتح فضاء للكتاب والشعر والزجل والفنون الأخرى، بدل أن تظل الثقافة حاضرة في الهامش بينما تحتل السهرات صدارة المشهد.
وإذا كانت الحفلات الغنائية قادرة على جذب الجمهور، فإن الثقافة بدورها تحتاج إلى من يمنحها الفرصة للوصول إلى هذا الجمهور. فالكتاب لا يحتاج دائما إلى ميزانية ضخمة، والأمسية الشعرية لا تتطلب منصة عملاقة، واللقاء الأدبي قد لا يكلف ما تكلفه سهرة فنية، لكن أثره في بناء الوعي وتنمية الذوق الثقافي لدى الشباب قد يكون أكثر استدامة.
ومن المفارقات التي يتداولها أبناء المنطقة في هذا السياق تصريح أحد أبناء البرنوصي بأن «أموالا طائلة تصرف على الغناء، والثقافة لها رب كريم»، وهي عبارة ساخرة تختزل، على نحو لافت، شعور بعض الفاعلين بأن الثقافة أصبحت في آخر قائمة الاهتمامات، وأن عليها أن تعتمد على مبادرات الأفراد والجمعيات وعلى إمكاناتها المحدودة.
وحتى لا يبقى هذا النقاش مجرد سجال بين مؤيد ومعارض، فإن الحل يكمن في الأرقام والمعطيات الرسمية. فالكشف عن تكلفة المهرجانات والتظاهرات الفنية، وعن الاعتمادات المرصودة للأنشطة الثقافية، من شأنه أن يقدم صورة واضحة للرأي العام حول حجم الإنفاق العمومي في هذا المجال، ويتيح للمهتمين تقييم مدى التوازن بين مختلف أشكال الفن والثقافة.
كما أن من حق الفاعلين الثقافيين بدورهم أن يساهموا في هذا النقاش من خلال تقديم مشاريع واضحة وقابلة للتنفيذ، واقتراح برامج ثقافية تستجيب لحاجيات الساكنة، خصوصا الأطفال والشباب، بدل الاكتفاء بالمطالبة بالدعم.
إن سيدي البرنوصي لا يحتاج فقط إلى موسم للحفلات والسهرات، وإنما يحتاج أيضا إلى موسم ثقافي حقيقي يجعل من الكتاب والشعر والزجل والمسرح والفنون التشكيلية والتراث المحلي جزءا من الحياة اليومية للساكنة.
فإذا كان الغناء يجد دائما من يخصص له المنصة والميكروفون والأضواء، فإن الثقافة تحتاج بدورها إلى منصة وميكروفون وقليل من الأضواء.
وفي انتظار أن تكشف الأرقام الرسمية حجم ما ينفق على الغناء وما يخصص للثقافة، يبقى السؤال مطروحا أمام الجهات المعنية: هل أصبحت الثقافة في سيدي البرنوصي فعلا في ذيل الأولويات، أم أن المثقفين ينتظرون فقط دورهم الذي يبدو أنه طال أكثر مما ينبغي؟
وفي كل الأحوال، يبدو أن العبارة التي يتداولها أبناء المنطقة تختصر المشهد بسخرية لا تخلو من المرارة: الغناء له نصيب من الميزانية، أما الثقافة فلها رب كريم!





