تكريمات المهرجانات المغربية بين الاعتراف بالفنان ودعم من يواجهون الهشاشة

أعاد تكريم الممثلة عائشة ماهماه، ضمن فعاليات مهرجان «سيني بلاج» بالهرهورة، النقاش مجددا حول جدوى التكريمات الفنية في التظاهرات والمهرجانات المغربية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بفنانين يعيشون أوضاعا اجتماعية أو صحية صعبة، ويحتاجون إلى الدعم والمساندة والعلاج أكثر من حاجتهم إلى الاعتراف الرمزي بمساراتهم الفنية.
ولا يقتصر الجدل حول التكريمات الفنية في المغرب على المطالبة بربطها بأشكال من الدعم الاجتماعي للفنانين الذين يواجهون ظروفا صعبة، بل يتجاوز ذلك إلى طريقة اختيار الأسماء المحتفى بها في عدد من التظاهرات والمهرجانات. إذ تتجدد الانتقادات بشأن غياب معايير واضحة وشفافة لتحديد المستحقين للتكريم، مقابل تكرار الاحتفاء بأسماء بعينها، في حين يتم، بحسب عدد من المهتمين، تجاهل فنانين قدموا إسهامات مهمة وأثروا المشهد الفني والثقافي المغربي.
وفي هذا السياق، يرى الناقد السينمائي أحمد سيجلماسي أن طريقة تكريم الفنانين، خصوصا الممثلين والمخرجين، في المهرجانات السينمائية المغربية تحتاج إلى إعادة النظر، في ظل غياب معايير دقيقة وواضحة تضبط عملية اختيار الأسماء المحتفى بها.
وأشار إلى أن بعض الفنانين يحظون بعدة تكريمات خلال السنة نفسها، بينما تغيب أسماء أخرى عن قوائم المحتفى بهم، ما يؤدي إلى تكرار الوجوه ذاتها في مختلف المناسبات. كما أن تكرار الأشخاص أنفسهم لتقديم شهادات الاحتفاء يطرح، بدوره، تساؤلات حول طبيعة هذه الممارسات ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف المرجوة منها.
ويطرح هذا الواقع سؤالا جوهريا حول مفهوم التكريم الفني: هل يقتصر على تسليم شهادة تقديرية ودرع وباقة من الورود، إلى جانب عرض شريط مصور يتضمن صورا أو مقتطفات من المسيرة الفنية، وإلقاء كلمات في المناسبة؟ أم أن التكريم الحقيقي ينبغي أن يتجاوز الجانب الرمزي ليشمل أيضا دعما ماديا واجتماعيا، خاصة عندما يتعلق الأمر بفنان يعاني المرض أو يعيش في وضعية هشاشة؟
ويرى سيجلماسي أن التكريم ينبغي أن يكون اعترافا حقيقيا بما قدمه الفنان من إسهامات، خصوصا إذا كان من رواد مجاله، أو وسيلة لتشجيعه على مواصلة عطائه إذا كان لا يزال في أوج مسيرته. كما يؤكد أن التكريم يفترض أن يوجه إلى المتميزين والموهوبين والمجددين، حتى لا يتحول إلى ممارسة شكلية تفقد قيمتها بسبب غياب معايير واضحة.
ومن بين المقترحات التي يمكن أن تمنح التكريم الفني قيمة أكبر، إنجاز أفلام وثائقية احترافية توثق لمسيرة الفنان وتجربته، وتقدم له كجزء من الاحتفاء به، بما يساهم في حفظ ذاكرته الفنية وتحويل تجربته إلى مادة أرشيفية تستفيد منها الأجيال المقبلة. كما يمكن أن يشكل إصدار كتب توثق لمسارات الفنانين، بمشاركة النقاد والصحافيين والباحثين وزملائهم في المهنة، شكلًا آخر من أشكال التكريم المستدام.
ولا ينبغي، وفق هذا التصور، أن تقتصر دائرة التكريم على الممثلين والمخرجين فقط، بل من المهم أن تشمل أيضًا التقنيين وكتاب السيناريو والصحافيين والنقاد والباحثين، باعتبار أن العمل السينمائي والفني هو نتاج جهد جماعي تتداخل فيه أدوار متعددة، ولا يمكن اختزاله في أسماء تظهر أمام الكاميرا أو خلفها.
وتأتي هذه الانتقادات في سياق نقاش متجدد حول معايير التكريم في مهرجان «سيني بلاج» بالهرهورة، إذ سبق أن أثارت اختيارات المكرمين في دورات سابقة ملاحظات من جانب عدد من المهتمين بالشأن الفني والثقافي، الذين دعوا إلى اعتماد معايير أكثر وضوحًا وموضوعية، تقوم على تقييم المسار الفني وحجم الإسهام في الحياة الثقافية، بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية أو العلاقات، بما يعيد للتكريم قيمته الرمزية ويجعله اعترافًا مستحقًا بالعطاء والإبداع.





