خولة لشكر: اقتصاد يخلق الثروة ويوزع ثمارها.. والاتحاد الاشتراكي يطرح بديلاً يجعل التشغيل معياراً للنجاح

من اقتصاد المؤشرات إلى اقتصاد الأثر

في إطار تقديم البرنامج الانتخابي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، قدمت خولة لشكر، عضوة لجنة إعداد البرنامج، مداخلة حول المحور الاقتصادي، حاولت من خلالها الانتقال بالنقاش من الأرقام الاقتصادية المجردة إلى سؤال أكثر التصاقاً بحياة المواطنين: ما الذي يتركه النمو من أثر فعلي على الدخل والشغل والقدرة الشرائية ومستوى المعيشة؟
وانطلقت خولة لشكر من قناعة أساسية مفادها أن الاقتصاد لا ينبغي أن يقاس فقط بمؤشرات النمو والتضخم والعجز والتوازنات الماكرو-اقتصادية، رغم أهميتها، لأن هذه المؤشرات تعكس بالأساس درجة الاستقرار، ولا تكفي وحدها لقياس التنمية.
فالسؤال، بالنسبة إليها، ليس فقط كم حقق الاقتصاد من نمو، وإنما كم منصب شغل خلقه هذا النمو؟ ومن استفاد منه؟ وكم تحسن دخل المواطن؟ وكيف توزعت الثروة التي ينتجها الاقتصاد؟
الإعفاءات الضريبية تحت المجهر
ومن بين أبرز القضايا التي توقفت عندها خولة لشكر، مسألة الإعفاءات الضريبية، معتبرة أن أي سياسة عمومية تمنح امتيازات ضريبية يجب أن تكون خاضعة للتقييم المنتظم والشفاف.
فالبرنامج الاتحادي يقترح، حسب عرضها، أن تتم معرفة كلفة كل إعفاء ضريبي، ومن استفاد منه، وما الذي قدمه في المقابل، وأن تصبح الإعفاءات محددة زمنياً وقابلة للتقييم والمراجعة.
وهذا الطرح يعكس رغبة في الانتقال من منطق الامتيازات غير المقيمة إلى منطق ربط المال العام بالنتائج، بحيث لا يصبح الإعفاء الضريبي حقاً مكتسباً بشكل دائم، وإنما أداة لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية واضحة.
وفي السياق ذاته، شددت على أن كل درهم يتم توفيره من إصلاح نظام المقاصة يجب أن يعود إلى الأسر المحتاجة، وإلى تمويل المدرسة والمستشفى والخدمات الاجتماعية، وليس فقط إلى سد عجز الميزانية.
العجز المالي.. من أين يأتي التمويل؟
طرحت خولة لشكر أيضاً سؤالاً مركزياً حول تمويل السياسات العمومية، خصوصاً في ظل الحديث عن تحسن مؤشرات العجز.
وأشارت إلى أن جزءاً من تحسن التوازنات المالية خلال السنوات الأخيرة ارتبط بموارد استثنائية أو رافعات يصعب ضمان استمرارها بنفس الوتيرة، وهو ما يفرض، في نظرها، التفكير في كيفية بناء جسر مستدام بين الموارد العمومية والحاجيات المتزايدة للمجتمع.
ومن هنا دعت إلى مساءلة مختلف الفاعلين السياسيين حول مصادر تمويل البرامج والالتزامات الانتخابية، حتى لا تتحول البرامج إلى مجرد لوائح من الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ بسبب غياب الموارد المالية.
النمو ليس هو التنمية
وكانت الفكرة المركزية في مداخلة خولة لشكر أن الاستقرار الاقتصادي شيء والتنمية شيء آخر.
فالمغرب، كما قالت، أنجز الكثير على مستوى البنيات التحتية والأوراش الاجتماعية، لكن المطلوب اليوم هو أن يتحول هذا التراكم إلى قدرة أكبر على خلق فرص الشغل وتحسين توزيع الثروة.
ولهذا اقترحت أن تضاف إلى المؤشرات الاقتصادية التقليدية مؤشرات أكثر التصاقاً بالمواطن، من بينها عدد مناصب الشغل التي يخلقها كل مستوى من مستويات النمو، وعدد المغاربة الذين يلجون سوق العمل، ومستوى الدخل الحقيقي، ونسبة القيمة المضافة الوطنية في الصادرات.
فالاقتصاد، وفق هذا التصور، لا ينجح فقط عندما ترتفع أرقام النمو، وإنما عندما يصل أثر النمو إلى المجتمع.
الاستثمار.. المشكلة ليست في حجم المال وإنما في وجهته
وتطرقت خولة لشكر إلى معضلة الاستثمار، معتبرة أن الإشكال لا يكمن دائماً في حجم الأموال التي تضخ في الاقتصاد، وإنما في وجهة هذه الاستثمارات والقطاعات التي تستفيد منها.
فإذا توجه الاستثمار نحو القطاعات المنتجة، يمكن أن يؤدي إلى خلق فرص الشغل وتحريك الاقتصاد المحلي والجهوي؛ أما إذا ظل التركيز على قطاعات ذات مردودية محدودة على التشغيل والإنتاج، فإن حجم الاستثمار لا يعكس بالضرورة حجم أثره التنموي.
ومن هذا المنطلق، دافعت عن ضرورة توجيه المنظومة المالية والضريبية نحو القطاعات المنتجة والمبتكرة، وتعزيز الاستثمار الذي يخلق القيمة المضافة وفرص العمل.
الماء.. الأمن المائي جزء من السياسة الاقتصادية
لم تغفل المداخلة قضية الماء، باعتبارها من أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد المغربي، خصوصاً في ظل الضغط المتزايد على الموارد المائية.
وطرحت خولة لشكر ضرورة الحد من ضياع المياه في قنوات التوزيع، ورفع حصة الطاقات المتجددة في إنتاج الطاقة، بما يسمح بتقليص كلفة الإنتاج وتحسين استدامة النموذج الاقتصادي.
فالأمن المائي، في هذا التصور، لم يعد قضية بيئية فقط، وإنما أصبح قضية اقتصادية واجتماعية واستراتيجية.
المقاولة الصغرى والمتوسطة في قلب الاقتصاد
وفي حديثها عن المقاولة، وقفت خولة لشكر عند الصعوبات التي تواجه المقاولات الصغيرة والمتوسطة، خصوصاً في ما يتعلق بالتمويل والمنافسة وآجال الأداء.
وأكدت ضرورة تخصيص نسبة واضحة من الصفقات العمومية لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة، واقترحت أن تصل هذه النسبة إلى 30 في المائة، إلى جانب إحداث مؤسسة مالية عمومية متخصصة في تمويل ومواكبة هذه المقاولات.
كما شددت على ضرورة وجود مجلس منافسة مستقل فعلياً، وقادر على التدخل عندما تقتضي الضرورة، لأن المنافسة العادلة، في تصور الحزب، تشكل شرطاً أساسياً لاقتصاد منتج ومتوازن.
مونديال 2030.. فرصة تتجاوز الملاعب
وفي مقطع لافت من مداخلتها، تناولت خولة لشكر استحقاق مونديال 2030، معتبرة أن تنظيم كأس العالم يمثل فخراً وطنياً وفرصة اقتصادية كبيرة، لكن الرهان الحقيقي يجب أن يتجاوز بناء الملاعب.
فالمطلوب هو أن تتحول الاستثمارات المرتبطة بهذا الموعد إلى بنيات تحتية دائمة، وفرص شغل، ودعم للمقاولات المغربية، وتنشيط للسياحة، وتحسين للربط والنقل والخدمات.
وبذلك يصبح مونديال 2030، وفق الرؤية التي قدمتها، رافعة للتنمية طويلة المدى، وليس مجرد ورش ظرفي ينتهي بانتهاء المنافسات.
حين يرتفع الدخل ولا يتحسن العيش
لكن السؤال الذي أعاد المداخلة إلى جوهرها كان: ماذا يصل في النهاية إلى المواطن؟
فحتى عندما ترتفع بعض مؤشرات الدخل وتتراجع نسب التضخم، فإن تباطؤ الاستهلاك يمكن أن يعكس استمرار الأسر في مواجهة ضغوط مالية قوية.
ومن هنا أكدت خولة لشكر أن العبرة ليست في حجم الأرقام الإحصائية، وإنما في وجهتها وأثرها. فإذا ارتفعت المداخيل ولم يتحسن مستوى العيش، فإن جزءاً من ثمار النمو لم يصل إلى الفئات التي تنتظره.
لذلك دعت إلى ربط النمو بتحسين الأجور والدخل، وتقليص ما تتحمله الأسر من نفقات مباشرة على الصحة والتعليم.
«النمو» الذي لا يخلق الشغل.. سؤال سياسي
واختتمت خولة لشكر مداخلتها بالتأكيد على أن مشكلة التشغيل لا يمكن اختزالها في المعادلات التقنية أو الإحصائيات الاقتصادية، لأنها في جوهرها سؤال سياسي يتعلق بالاختيارات العمومية.
فالمغرب، حسب قراءتها، حقق استثمارات مهمة وأنجز أوراشاً كبرى، لكن استمرار ضعف معدل النشاط وعدم انعكاس النمو بالقدر الكافي على سوق الشغل يفرض مراجعة طريقة توجيه الاستثمار والسياسات الاقتصادية.
وهكذا تضع خولة لشكر جوهر الرؤية الاقتصادية للاتحاد الاشتراكي في معادلة واضحة: لا يكفي أن ينمو الاقتصاد، بل يجب أن ينتج الشغل؛ ولا يكفي أن تتراكم الثروة، بل يجب أن توزع ثمارها بعدالة؛ ولا يكفي أن ترتفع المؤشرات، بل يجب أن يتحسن معها عيش المواطن.
إنها، في النهاية، محاولة للانتقال من اقتصاد يكتفي بقياس النمو إلى اقتصاد يقيس أثره الاجتماعي، ويجعل التشغيل والدخل والقدرة الشرائية والعدالة في توزيع الثروة معايير أساسية للحكم على نجاح السياسات العمومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى