الانتخابات…حين يصبح القرب من المواطن مرتبطا بصناديق الاقتراع

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي بالمغرب، يتكرر المشهد نفسه، حتى أصبح جزءا من الذاكرة الجماعية للمواطنين. وجوه غابت لسنوات تعود فجأة إلى الأحياء والدواوير، وأبواب كانت موصدة تفتح على مصراعيها، وهواتف ظلت خارج التغطية السياسية تصبح متاحة للجميع، وكأن موسم الانتخابات هو وحده القادر على إعادة الحياة إلى العلاقة بين المنتخب والناخب.
خلال الولاية الانتدابية، يشتكي كثير من المواطنين من صعوبة التواصل مع بعض المنتخبين، ومن غياب الإنصات لمطالبهم وانشغالاتهم. لكن ما إن تقترب الانتخابات حتى تتغير المعادلة، فتكثر الزيارات، وتتوالى المصافحات والعناق، وتعلو الابتسامات، وتوزع الوعود التي غالبا ما تكون أكبر من الواقع والإمكانات. فيتحول المواطن، الذي ظل مهمشا لسنوات، إلى محور اهتمام سياسي مؤقت، سرعان ما ينتهي بانتهاء موسم الاقتراع.
وتبرز في هذه المرحلة أيضا ظاهرة “الدكاكين الانتخابية”، وهي المقرات الحزبية التي تكترى خصيصا خلال فترة الحملة الانتخابية. تفتح أبوابها لاستقبال المواطنين، وتقدم فيها الضيافة من شاي وحلويات، وتعقد الاجتماعات واللقاءات، في محاولة لإظهار القرب من الساكنة. غير أن هذه المقرات لا تعمر طويلا، فما إن تعلن نتائج الانتخابات حتى تغلق أبوابها، وتسلم مفاتيحها إلى أصحابها، في انتظار استحقاق انتخابي جديد يعيد إحياءها من جديد.
والمفارقة أن الأحزاب السياسية في الماضي كانت تحرص على أن تكون مقراتها فضاءات مفتوحة طيلة السنة، تحتضن أنشطة ثقافية ورياضية وتكوينية واجتماعية، وتشكل جسرا دائما للتواصل مع المواطنين. أما اليوم، فقد أصبحت بعض هذه المقرات تفتح وفق منطق “العرض عند الطلب”؛ تشتغل فقط عندما تقتضي المصلحة الانتخابية ذلك، ثم تختفي بمجرد انتهاء الحاجة إليها، وكأن العمل الحزبي لم يعد ممارسة مستمرة، بل نشاطا موسميا مرتبطا بصناديق الاقتراع.
ومن الظواهر التي تثير تساؤلات الرأي العام أيضا، ما يعرف بالترحال السياسي، حيث يغير بعض المنتخبين انتماءاتهم الحزبية مع اقتراب الانتخابات، فينتقلون من حزب إلى آخر بحثا عن فرص أوفر للفوز، دون أن يقدموا للمواطن تفسيرا مقنعا لهذا التحول. وهو ما يطرح علامات استفهام حول مدى ارتباط الممارسة السياسية بالبرامج والقناعات، أو بالحسابات الانتخابية الضيقة.
المشكلة ليست في أن يقترب السياسي من المواطن، بل في أن يكون هذا التقارب مؤقتا وموسميا، مرتبطا بالحاجة إلى الأصوات أكثر من ارتباطه بخدمة الصالح العام. فالمواطن لا يحتاج إلى من يتذكره كل خمس سنوات، بل إلى منتخب يظل حاضرا إلى جانبه طوال مدة ولايته، يستمع إليه، ويتابع قضاياه، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الناخب.
إن الديمقراطية لا تقاس بكثرة الشعارات، ولا بعدد المصافحات خلال الحملات الانتخابية، وإنما تبنى على الثقة والمصداقية والاستمرارية. وحين يشعر المواطن بأن المنتخب لا يراه إلا في موسم الانتخابات، وأن المقرات الحزبية لا تفتح إلا عند الحاجة، وأن الانتماءات السياسية تتغير بتغير موازين الربح والخسارة، فإن أول ما يتآكل هو رصيد الثقة في العمل السياسي، وهو ما ينعكس سلبا على المشاركة الانتخابية وعلى صورة المؤسسات المنتخبة.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم هو الانتقال من سياسة المناسبات إلى سياسة القرب الدائم، ومن الوعود المؤقتة إلى الإنجاز المستمر، لأن المواطن أصبح أكثر وعيا، وأكثر قدرة على التمييز بين من يخدمه طوال الولاية، ومن لا يتذكره إلا عندما تدق ساعة الاقتراع.




