مونيكا بونفانتي.. عشرون عاما على رأس شرطة جنيف تؤكد أن القيادة تبنى بالكفاءة لا بالنوع

جنيف

في الثامن من مارس من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي للمرأة، تكريماً لإسهاماتها في مختلف المجالات وتقديرا لدورها في بناء المجتمعات. غير أن إنجازات المرأة لا تختزل في يوم واحد، بل تمتد على مدار العام، حيث تثبت حضورها في ميادين العلم والإدارة والسياسة والاقتصاد والأمن وغيرها. وتؤكد التجارب أن القيادة ليست حكراً على الرجال أو النساء، وإنما هي ثمرة الكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة مونيكا بونفانتي، قائدة شرطة كانتون جنيف، بوصفها واحدة من أبرز النماذج النسائية في سويسرا. فعلى مدى عشرين عاما، نجحت في قيادة جهاز أمني يعد من أكثر المؤسسات حساسية، متجاوزة تحديات كبيرة وأزمات متلاحقة، لتصبح اليوم من الشخصيات الأمنية الأكثر تأثيراً على المستوى السويسري.

وتؤمن بونفانتي بأن القائد الحقيقي يجب أن يتحلى بالشجاعة في التعبير عن رأيه والتمسك بالحقيقة مهما كانت التبعات. وتختصر فلسفتها القيادية بقولها: «يجب ألا نخشى أبداً التعبير عن آرائنا وقول الحقيقة، حتى وإن جرّ ذلك علينا الانتقادات.»

في الأول من غشت 2006، تولت بونفانتي قيادة شرطة كانتون جنيف وهي في السادسة والثلاثين من عمرها، بعدما عملت خبيرة في علوم الأدلة الجنائية ومتخصصة في علم المقذوفات (الباليستية). وجاء تعيينها في مرحلة كانت الشرطة تمر فيها بأزمة غير مسبوقة، اتسمت بتغيّر القيادات، والصراعات الداخلية، والتوتر مع النقابات، فضلا عن سلسلة من الأخطاء المهنية وارتفاع معدلات الجريمة، ما جعل منصب قائد الشرطة من أكثر المناصب حساسية في الكانتون.

ورغم هذه الظروف الصعبة، استطاعت بونفانتي إعادة الاستقرار إلى المؤسسة الأمنية، مستفيدة من تكوينها العلمي وخبرتها الميدانية، إضافة إلى قدرتها على التوفيق بين متطلبات العمل الأمني والبعدين الإداري والسياسي.

ولا تقتصر مسؤولياتها على وضع الاستراتيجيات الأمنية، بل تتولى الإشراف على جهاز يضم 2022 موظفا وموظفة، موزعين على مختلف الوحدات والتخصصات، الأمر الذي يجعلها مسؤولة عن إدارة واحدة من أكبر المؤسسات الأمنية في كانتون جنيف، بما تتطلبه من تخطيط وتنسيق واتخاذ قرارات يومية لضمان أمن السكان والحفاظ على النظام العام.

وخلال مسيرتها المهنية، واجهت بونفانتي العديد من الملفات الأمنية المعقدة، لكنها نجحت في الحفاظ على ثقة السلطات والرأي العام، وهو ما يفسر استمرارها في منصبها طوال عقدين، في إنجاز يعكس خبرتها وقدرتها على إدارة الأزمات.

وقد تعزز حضورها خلال التحضيرات الأمنية لاستضافة قمة مجموعة السبع (G7)، حيث قادت الإعداد لخطة أمنية واسعة النطاق، وأسهمت في إقناع مجلس الدولة في جنيف بالموافقة على تنظيم التظاهرة المرتبطة بالحدث، مؤكدة بذلك قدرتها على إدارة الأحداث الدولية الكبرى بكفاءة واحترافية.

وعلى المستوى الوطني، تولت بونفانتي، اعتبارا من الأول من يوليوز 2026، رئاسة المؤتمر اللاتيني لقائدات وقادة الشرطة في الكانتونات السويسرية للمرة الثانية، كما انتخبت نائبة لرئيس مؤتمر قادة الشرطة على المستوى السويسري، وهو ما يعكس المكانة التي تحظى بها داخل المؤسسة الأمنية في البلاد.

وبعد عشرين عاما من قيادة شرطة كانتون جنيف، أصبحت مونيكا بونفانتي نموذجا لقيادة نسائية أثبتت أن النجاح في المؤسسات الأمنية لا يرتبط بالنوع، بل بالرؤية والكفاءة والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. وتؤكد مسيرتها أن تمكين المرأة لا يتحقق بالشعارات أو بالمناسبات السنوية، وإنما بإتاحة الفرصة أمامها لإثبات جدارتها، وتقييمها على أساس ما تحققه من إنجازات، وهو ما جسدته بونفانتي طوال عقدين من الخدمة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى