العمل دون تصريح في سويسرا:الطريق القصير الذي يكلف الكثير

ع.مشواري

يطرح موضوع العمل غير المصرح به في سويسرا بشكل متكرر، خاصة في صفوف بعض العمال والمهاجرين الجدد الذين يجدون أنفسهم أمام صعوبات الاندماج المهني أو تعقيدات المساطر الإدارية. وفي ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والحاجة إلى دخل سريع، قد يبدو هذا النوع من العمل حلا مؤقتا، غير أن الإحاطة بمخاطره تبقى خطوة أساسية قبل اتخاذ أي قرار.

العمل غير المصرح به، المعروف قانونيا بـ«العمل الأسود»، يشمل كل نشاط مهني يمارس دون التصريح لدى الجهات المختصة أو دون أداء الضرائب والمساهمات الاجتماعية المفروضة. ورغم أن بعض القطاعات تعرف انتشارا أكبر لهذه الممارسة، فإن القانون السويسري يتعامل معها بصرامة، ويحمل المسؤولية لكل من العامل والمشغل على حد سواء، حتى في الحالات التي يتم فيها العمل باتفاق الطرفين.

من الناحية العملية، يحرم العامل غير المصرح به من جملة من الحقوق الأساسية التي تضمنها القوانين السويسرية، وعلى رأسها التأمين ضد الحوادث، والتغطية الصحية، واحتساب سنوات العمل ضمن نظام التقاعد. كما أن أي نزاع محتمل مع المشغل، سواء تعلق بعدم تسلم الأجر أو بظروف العمل، يضع العامل في وضعية ضعيفة يصعب فيها اللجوء إلى الحماية القانونية.

كما ينبغي الانتباه إلى أن التعرض لحادث أثناء العمل غير المصرح به قد يترتب عنه تبعات مالية وصحية جسيمة، إذ يتحمل العامل في الغالب تكاليف العلاج كاملة، دون تعويض أو دعم، وهو ما يشكل خطرا حقيقيا على استقراره الاجتماعي.

أما من جهة المشغلين، فإن تشغيل عمال دون تصريح يعرضهم بدورهم لعقوبات مالية ومتابعات قانونية، فضلا عن إلزامهم بتسديد المستحقات الضريبية والاجتماعية بأثر رجعي. وتكثف السلطات السويسرية عمليات المراقبة والتفتيش، خاصة في القطاعات الخدمية، للحد من هذه الظاهرة وحماية سوق العمل من الممارسات غير المشروعة.

ولا يقتصر تأثير العمل غير المصرح به على الأطراف المعنية فقط، بل يمتد ليشمل سوق الشغل بشكل عام، حيث يساهم في خلق منافسة غير متكافئة، ويضغط على الأجور، ويضعف أنظمة التضامن والحماية الاجتماعية، ما ينعكس سلبا على العمال المصرح بهم الذين يحترمون القوانين.

وفي هذا السياق، يشدد مختصون على أهمية التوعية بدل الاقتصار على المقاربة الزجرية، من خلال تمكين العمال من معرفة حقوقهم وواجباتهم، وتسهيل الولوج إلى المعلومات الرسمية، وتشجيع التصريح بالعمل الجزئي أو المؤقت كخطوة أولى نحو اندماج مهني سليم. كما يلعب الإعلام، إلى جانب النقابات والجمعيات المختصة، دورا محوريا في إيصال هذه المعطيات بلغة واضحة وقريبة من الواقع.

في النهاية، يبقى العمل غير المصرح به خيارا ينطوي على مخاطر لا تكون واضحة دائما عند اتخاذ القرار، خصوصا في لحظات الضغط والحاجة. لذلك، فإن الاطلاع على القوانين والبحث عن بدائل قانونية، مهما بدت محدودة في البداية، يظل الطريق الأكثر أمانا للحفاظ على الكرامة المهنية وبناء استقرار حقيقي داخل المجتمع السويسري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى